الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ نوفمبر-٢٠٢٦       2255

بقلم- شروق الجنوبي
سابقاً، كانت المنظومة الإنسانية تتحرك وفق قاعدة راسخة كُتبت بمداد الحاجة، لخصتها العبارة الشهيرة: "الحاجة أم الاختراع". أما اليوم، وفي ظل التحولات المتسارعة للاقتصاد المعرفي، يبدو أن منظومة الابتكار بدأت تواجه توليفة جديدة يمكن تسميتها بـ "البرستيج الاجتماعي أبو الاختراع"؛ بحكم أن الأب في هذا السياق هو من يمنح اللقب والرصانة الاجتماعية، دون الاعتبار أحياناً لجهد الأم –بعد الله– في صنع مستقبل الابن وتوجيهه، وهي التي وصفها أمير الشعراء أحمد شوقي في بيته الشهير:
الأم مدرسة إذا أعددتها .. أعددت شعباً طيب الأعراق
هذا التحول الهيكلي في دوافع الابتكار يضعنا أمام تساؤل جوهري حول القيمة الحقيقية لمخرجات العقول؛ وهل باتت براءات الاختراع صكوكاً استثمارية تدعم الاقتصاد، أم مجرد أرقام تُزين السير الذاتية وتستنزف الميزانيات؟
منذ قرابة خمسة عشر عاماً عاصرتها كمخترعة، كان عالم الاختراع يحمل هيبة حقيقية؛ رحلة تبدأ بالمعاناة الإنسانية لمشكلة أو معضلة تواجه البشرية، للوصول إلى حلول تساهم في رفع جودة الحياة وتسهيلها بابتكارات واختراعات حقيقية. وتمر هذه الرحلة بالعديد من الإجراءات؛ بدءاً بتقديم الطلب، ومروراً بالرد الصارم للفاحص الشكلي وتدقيقه، وتعديل الرسومات الشكلية، وصولاً إلى الفحص الموضوعي الدقيق لحماية جوهر الفكرة وملخصها، والدخول في نقاشات عميقة بين الفاحص والمخترع لتوضيح أسرار الاختراع الجوهرية. كانت هذه الإجراءات بمثابة عملية صقل حقيقية للفكرة، تضمن ألّا يخرج للنور إلا ابتكار فريد يستفرد به صاحبه ولم يسبق إليه أحد.
ويمنح بذلك شهادة براءة اختراع وتبدأ مرحلة جديدة للتنفيذ الفعلي رغم ما يواجه المخترع الفرد من عقبات ومعاناة جعلت من فكره مخرجاتٍ رصينةً مما تنتج العقول أصبحت تعادل في قيمتها منشآت اقتصادية كاملة، وهناك أمثلة حقيقية للمهتمين بالاختراع وممن عاصروا هذه الحقبة الزمنية. ومن جانب آخر، تعتبر الاختراعات النواة الحقيقية للاقتصاد المعرفي القائم على إنتاج العقول من أفكار وابتكارات ترفع جودة الحياة من جهة، وتُشكل رافداً استثمارياً لا يقل أهمية عن الأصول من جهة أخرى، بل هي صكوك ذات عوائد مجزية إذا استُثمرت بشكل واقعي.
وهنا تتجلى قيمة الابتكار الحقيقي، باعتبارها أبرز الاستثمارات الاستهلاككية في العالم، والتي تضع لها الدول ميزانيات ضخمة تعادل ميزانيات دول بأكملها. فالاختراع الطبي كما أسلفت لا يمكن أن يكون مجرد حبر على ورق، أو رقماً يُدوّن في شهادة البراءة ليحتل مكانه في الأدراج دون فائدة تذكر سوى عائدات شخصية وتباهي يستنزف الميزانيات؛ بل هو مسار طويل وشاق يمر بالدراسات، والتجارب المخبرية، والأبحاث على الحيوان، تمهيداً للتجارب الآمنة على الإنسان، حتى يصل إلى جهات معتمدة لتأكيده واعتماده، بما يضمن خدمة قطاع حيوي يمس المجتمع ويحسن جودة حياة الإنسان بالتطوير المستمر للاحتياجات ومستقبل الصحة العامة.
لكن المشهد الحالي بدأ ينحرف نحو عكس ما كنا نسعى إليه بجدية؛ حيث تحولت بعض الاختراعات إلى واجهات اجتماعية، وبات التركيز ينصب على أرقام تُضاف إلى حصيلة المخرجات دون النظر إلى قيمتها السوقية الحقيقية وأثرها في رفع مؤشر الابتكار، والذي من أهدافه الأساسية تحويل الأفكار البحثية إلى منتجات أو خدمات تجارية قابلة للتطبيق بالتعاون مع الجهات المختصة بالمجال.
والدولة –أعزها الله– لها دور كبير ومستمر في دعم الأبحاث العلمية والتطوير لتعزيز الكفاءات، بإقامة أبحاثهم وتعزيزها بالتجارب العلمية وتمهيدها لتصبح منتجات حقيقية واقعية تساهم برفع جودة الحياة للفئة المستهدفة، وإيجاد حلول استثنائية مبتكرة تقلل من الوقت وقيمة الأدوات الاستهلاكية، وتقتصد في التكاليف المادية، وتُحل الطرق المبتكرة بدلاً من تلك التي تستنزف الوقت والمال والجهد لتحدث قفزة في التطور العلمي.
ولحماية هذا الدعم السخي وضمان تحوله إلى عائد اقتصادي ملموس، أصبح من الضروري وضع شروط جديدة لمنح براءات الاختراع؛ تبدأ باشتراط التفرغ الكامل أو الجزئي للمخترع للعمل تحت إشراف الجهة المانحة وبتصنيف الاختراع، وفق الاحتياج الفعلي، هنا تبدأ المخرجات الحقيقية وليست أرقاماً ورقية. كما يتوجب الالتفات إلى عامة المجتمع من أفراد ودعمهم لوجستياً ومادياً، وإنصافهم من بعض المستثمرين بضوابط ومظلة رسمية بمثابة المرجع في حال النزاعات والاستغلال، وعدم حصر الاختراعات على فئة معينة، بل يكون للأفراد نصيب من الدعم الذي تخصصه الدولة أعزها الله.
يضاف إلى ذلك أهمية تصنيف المخترعين حسب مخرجاتهم دون النظر إلى مهنتهم، والاكتفاء بالمخرجات التي تجتاز وبجدارة فاعلية الاختراع وأثره وتطبيقه على أرض الواقع، مع اعتماد الاختراعات المحلية ودعمها مادياً بصندوق مرن يتيح لها الفرصة للاستثمار بعوائد تطويرية مجدية، ووفق شروط مرنة تراعي مهنة المخترع وتشمل فئة الأفراد بشكل كامل، وتُؤهل أكاديمياً؛ بحيث يتم الاستفادة المباشرة من خبرات الممارسين كمخترعين، ومصممين، وباحثين، ومطورين للمنتجات في شتى المجالات.
فلا يغيب عن المهتمين بالمجال ما يحققه المخترع من مراكز في المؤتمرات والمعارض يحتاج إلى وقفة حقيقية لتحويلها إلى ربح استثماري أمام ما يُنفق في المشاركات الخارجية التي تستنزف ميزانيات بما يعود بعوائد اقتصادية من جانب وتساهم برفع مؤشر الابتكار السنوي بمخرجات تنافس الإنتاج العالمي. ولدينا أمثلة حية لمخترعين من أبناء الوطن حفروا الصخر لرسم ملامح الاختراع أمام إصرارهم وثقتهم بالله ثم جهود القائمين من أصحاب الخبرات وترك بصمة تحمل توقيع سعوديين، ولا ننسى أصبحت الاختراعات السعودية يُشار إليها بالبنان، والتي نأمل أن تكون واقعاً ينافس الأسواق العالمية بالمخرجات والإنتاج.
إن الاختراع ليس مجرد فكرة عابرة؛ بل هو عالم متكامل، أو بالأحرى "مدينة علمية" متكاملة الأركان تحتاج إلى أسوار متينة تُبنى لحمايتها، وقلاع حصينة تُسكن، لتتكامل بها وتتحقق داخلها الطموحات الكبرى التي رُسمت يوماً في خيال المخترع وستتحول بفضل الله واقعاً ملموساً يرفع لواء الاقتصاد المعرفي لدعم الاقتصاد الوطني.
رسالة مخترعة وكاتبة:
الاختراع لغة تترجم واقعاً ملموساً يعتمد على مخرجات تتقدم بها الدول لتنافس على التطور بالعلوم وخدمة الإنسانية.