الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ نوفمبر-٢٠٢٦       3080

بقلم- محمد بن عائض الجعيد

لم تكن مكة المكرمة يومًا مجرد مدينة ترسمها الخرائط، ولا المدينة المنورة بقعةً تقاس مساحتها بالأميال، فالأولى قبلةٌ تتجه إليها وجوه المسلمين خمس مراتٍ كل يوم، والثانية مهوى أفئدتهم إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتجمعهما قداسةٌ لا تحدُّها خرائط السياسة، ولا تُخضع حرمتَها حساباتُ الصراع، ولا يملك أحدٌ أن ينتزعها من وجدان أمةٍ جعلت من أمنهما وطمأنينتهما معنىً يتجاوز الحدود والأوطان.

غير أن ميليشيا الحوثي الأرهابية التي لم تترك لليمن من ويلات مشروعها إلا مزيدًا من الجراح، مضت في عدوانها حتى بلغت تهديداتها محيط هاتين المدينتين المقدستين في محاولاتٍ لاستهداف داخل مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكأن حرمة المكان لا تعني شيئًا في قاموس الإرهاب!

وأيُّ انحدارٍ أشد من أن تتحول قبلة المسلمين ومثوى نبيهم الكريم إلى مناطق يهدد أمنها سلاح ميليشيا تزعم الانتساب إلى الدين، وأيُّ تناقضٍ أفدح من أن تُرفع الشعارات الدينية في المنابر، بينما تُطلق المقذوفات نحو أرضٍ تهفو إليها قلوب المؤمنين؟!

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس امتداد مدى السلاح، وإنما انكماش مدى الضمير، فحين تُستباح حرمة المدن، ويُهدد أمن قاصدي الحرمين، يصبح الحديث عن الغايات المعلنة ضربًا من العبث أمام بشاعة الأفعال وآثارها.

ولم تقف المأساة عند حدود التهديد، بل امتدت إلى وجوهٍ وأسماءٍ وأحلامٍ انطفأت في الطريق إلى العبادة.

في مطار الملك خالد الدولي بالرياض، كان المعتمرون يرتدون ثياب الإحرام، وقد تركوا بيوتهم وأهلهم، وحملوا في قلوبهم شوق الوصول إلى البيت الحرام.

لم يكونوا طرفًا في صراع، ولا يحملون في حقائبهم سوى ما يحتاجه المسافر، وفي أرواحهم رجاءٌ أن تكتمل الرحلة بسجدةٍ عند الكعبة المشرفة.

لكن الإرهاب كان يكتب لهذه الرحلة نهايةً أخرى، فأودى الهجوم الإرهابي الحوثي بحياة مدنيين بينهم معتمرون، ليصبح البياض الذي ارتدوه استعدادًا للنسك شاهدًا على سواد جريمةٍ لم تراعِ حرمة الدم، ولا قداسة المقصد.

ولعل تلك الصورة تختصر ما تعجز عنه مئات البيانات، فالمتطرف الذي لا توقفه حرمة المعتمر، ولا يردعه أمن المدن المقدسة، قد تجاوز في انحداره الأخلاقي حدودًا لا تسترها الشعارات، ولا تجمّلها الخطب، ولا تمحوها محاولات صناعة البطولة من دماء الأبرياء.

وليس هذا السلوك طارئًا على الإرهاب الحوثي، فاليمنيون قبل غيرهم عرفوا قسوته، وعرفوا كيف يمكن أن تتحول المدن إلى ساحات خوف، والمؤسسات إلى أدوات هيمنة، والأطفال إلى ضحايا لصراعٍ يلتهم حاضرهم ومستقبلهم.

ثم امتدت الاعتداءات إلى دول الجوار والمرافق المدنية والممرات البحرية، حتى غدا تهديد الأمن وسيلةً متكررةً لفرض المخططات الهدامة بقوة السلاح.

وهنا تتجلى النزعة الإرهابية في صورتها الأشد وضوحًا، نزعةٌ لا تكتفي بالاعتداء على الإنسان، بل تسعى إلى إخضاع كل قيمةٍ إنسانية ودينية لحساباتها، فإذا تعارضت حرمة الدم مع مصلحة الميليشيا، أُهدرت الحرمة، وإذا وقف أمن المدنيين في طريق مخططاتها صار الأمن نفسه مستباحًا للتهديد.

وما أيسر أن تُكتب الشعارات على الرايات، وما أصعب أن تنعكس معانيها في الأفعال! فالدين الذي عظّم حرمة النفس، وأعلى شأن البلد الحرام، وجعل أمن الآمنين قيمةً لا يجوز انتهاكها، لا يمكن أن يكون غطاءً أخلاقيًا لصاروخٍ يروّع المدنيين أو يهدد قاصدي الحرمين الشريفين.

إن حرمة مكة والمدينة لا تبدأ عند أبواب المسجد الحرام والمسجد النبوي، ولا ينتهي واجب صونها عند أسوارهما، فسلامة الطرق والمطارات والمرافق التي يسلكها الحجاج والمعتمرون والزوار جزءٌ من أمن هذه الرحلة الإيمانية، ومن قصد بيت الله لا يفقد حرمة دمه لأنه لم يبلغ البيت بعد.

وفي هذا المعنى تتجلى عظمة المسؤولية التي تنهض بها المملكة العربية السعودية في حماية الحرمين الشريفين وقاصديهما، وهي مسؤوليةٌ لم تكن يومًا مجرد عنوانٍ سياسي، بل عملًا متصلًا في عمارة المكان، وخدمة الإنسان، وتأمين السبل، والتصدي لكل ما يهدد الأرواح والمقدسات.

فبين دولةٍ تسخّر إمكاناتها ليصل المسلم إلى نسكه آمنًا، وميليشيا تجعل من تهديد الطرق والمدن والمطارات وسيلةً لتنفيذ مخططاتها الإرهابية، تتضح المسافة بين من يصون قداسة المكان بالفعل، ومن يتغنى بالدين ثم ينتهك حرماته بالسلاح.

واليمن الذي كان جديرًا بأن تُصرف الطاقات إلى تضميد جراحه وبناء مستقبله، لا يحتاج إلى مزيدٍ من الصواريخ، ولا إلى ميليشيا تجعل من الشعارات الدينية ستارًا لمغامراتها العسكرية، فما أكثر ما رفعت الحروب راياتٍ براقة، ثم تركت تحتها أوطانًا مثقلةً بالفقد والخراب.

إن استهداف المناطق المدنية وتعريض المقدسات للخطر لا يصبح أقل فداحةً بتغيير أسماء الأسلحة أو تبديل مفردات البيانات، ولا تستطيع البلاغة الحربية، مهما بلغت، أن تمنح الفعل شرعيةً أخلاقية يفتقدها.

فالدين الذي يجعل للدماء حرمة، وللآمنين حقًا، وللبلد الحرام مكانةً عظيمة، لا يمكن أن يكون ذريعةً لترويع الناس أو تهديد أمنهم، ومن يرفع رايةً دينية ثم يتجاوز هذه المعاني، إنما يكشف عن حقيقة أفكاره الإرهابية أكثر مما تكشف عنه خطبه وشعاراته.

لَرُبَّما… بل حتمًا.

إن أشد صور التناقض تتجلى فيمن يرفع شعار الدفاع عن الإسلام، ثم يحتاج الموقف إلى الدفاع عن المقدسات من سلاحه! فقد يستطيع المتطرف أن يرفع شعارات الدين على رايته، لكنه لا يستطيع أن يكتب البراءة في سجل أفعاله الشيطانية!