بقلم-د. غالب محمد طه
ستة أطفال من حفر الباطن. هذا هو الرقم الذي خرجت به من اللقاء الذي حضرته مساء الثلاثاء، احتفاءً بالمواهب التي اختارتها أكاديمية مهد الرياضية من مدارس المحافظة. لكن ما بقي في ذاكرتي لم يكن الرقم وحده. كانت الفرحة واضحة على وجوه الحاضرين، ومعها تفاؤل جميل بما يمكن أن تحققه حفر الباطن في السنوات المقبلة.
وسط تلك الفرحة سألت نفسي: لو لم يصل الكشافون إلى مدارس هؤلاء الأطفال، هل كانت أمامهم الفرصة نفسها؟
ليس كل أب يستطيع تسجيل ابنه في أكاديمية رياضية، أو اصطحابه إلى اختبارات بعيدة. وهناك أطفال يقضون ساعات في ملاعب مدارسهم، ولا يعرف بموهبتهم أحد خارج أسوارها. ربما لا ينقص بعضهم شيء من الاستعداد، لكنه لم يجد بعد من يمنحه فرصة لإظهار ما يستطيع فعله.
وكانت هذه الجولة الأولى لأكاديمية مهد في المحافظة، ولم تشمل جميع مدارسها. لذلك لا يمكن أن نختزل مواهب حفر الباطن في الأطفال الستة الذين وقع عليهم الاختيار. فما زالت هناك مدارس لم تصل إليها الاختبارات، وأطفال ربما يملكون قدرات تستحق أن تُكتشف.
وللمدرسة دور لا أريد أن يضيع وسط الاحتفاء بالمناسبة. فقد جرى البرنامج بالتعاون مع الإدارة العامة للتعليم بالمنطقة الشرقية، التي حملت مخاطباتها للمدارس توقيع مديرتها العامة الدكتورة منيرة بنت بدر المهاشير. أما معلم التربية البدنية، فهو الذي يرى الأطفال يلعبون كل يوم، ويتابع تطورهم ويعرف من بينهم من يستحق فرصة أكبر. فلماذا لا تتاح له وسيلة مستمرة لترشيح المواهب، حتى حين لا تكون هناك زيارات للكشافين؟
وسمعت خلال اللقاء عن معسكر تحضيري في الرياض، وعن فرص للمعايشة والتطوير في إسبانيا ضمن برامج أكاديمية مهد، مع اهتمام بالتعليم والصحة والرعاية. وأجد هذا الاهتمام ضروريًا؛ فنحن نتحدث عن أطفال، ومن المهم أن يظل تعليمهم وحياتهم الطبيعية جزءًا من أي مشروع لإعدادهم رياضيًا.
وسألت الأستاذ شعلان القرني، أحد المسؤولين عن البرنامج، عن رؤيتهم لكأس العالم 2034. قال إنهم يستهدفون إعداد ثلاثة لاعبين على أعلى مستوى للمنتخب السعودي. توقفت عند الرقم. ثلاثة لاعبين قد يبدون عددًا قليلًا، لكن من يعرف حجم المنافسة على مقاعد المنتخب، وحضور الأندية الكبرى في تشكيلاته، يدرك أن الطموح ليس سهلًا. كنا نحتفل باختيار ستة أطفال، بينما كان حديثه عن سنوات من التدريب والعمل، وعن مستوى لا يبلغه اللاعب بمجرد اكتشاف موهبته.
أُنشئت أكاديمية مهد بقرار من مجلس الوزراء عام 1442هـ، ووصلت تجارب اكتشاف المواهب هذا العام إلى ست عشرة مدينة ومحافظة. وأحب في اسمها معنى البداية، لكن البداية لا تكفي ما لم يجد الموهوب من يتابع تقدمه بعد انصراف الكشافين.
ولفتني في الحفل حضور الأستاذ فهد بن عبد الرحمن المجاهد، رئيس غرفة حفر الباطن. وأرجو أن يكون حضور قطاع الأعمال بداية اهتمام أكبر بتوفير فرص التدريب للأطفال الذين تعجز أسرهم عن تحمل تكاليفه. وكان حاضرًا أيضًا الأستاذ صالح ثروي الحربي، مدير مدرسة قتيبة بن مسلم المتوسطة، ممثلًا للتعليم.
أما الأستاذ سند بن سعود المطيري، فقد سمعت إشادة بجهوده في تنسيق الزيارة. وسند معلم تربية بدنية وصاحب أكاديمية السارية الرياضية، وفي دوره مثال قريب لما أتحدث عنه؛ فالمعلم الذي يعرف المدارس وطلابها يستطيع أن يساعد في إيصال الموهبة إلى الجهات التي تبحث عنها.
وحين أتيحت لي كلمة قصيرة خلال الحفل، تحدثت عن اعتزازي بأن أكون من المقيمين في هذا البلد الكريم، وأن أشهد جانبًا من تحولاته. ثم ختمت برسالة هامسة عن حفر الباطن، التي أحب أن أسميها «جوهرة الصحراء». قلت إنني على ثقة بأن كنوزها لم تُكتشف كلها بعد، وأن بين أبنائها وبناتها مواهب كثيرة في الرياضة وغيرها، تستحق أن نبحث عنها.
وأفكر أيضًا في الأطفال الذين خاضوا الاختبارات ولم يقع عليهم الاختيار. لا أريد لأحدهم أن يعود إلى بيته مقتنعًا بأن اختبارًا واحدًا حسم مستقبله. ففي هذه السن تتغير القدرات، وربما يحتاج بعضهم إلى وقت أطول أو تدريب مختلف. وأتمنى أن تبقى أمامهم فرص أخرى، وألا يفقدوا حبهم للرياضة بسبب نتيجة اختبار.
ويبقى أطفال لم تصل الاختبارات إلى مدارسهم أصلًا. هؤلاء لم تتح لهم حتى فرصة أن يُظهروا قدراتهم.
عرفنا هؤلاء الستة لأن الكشافين ذهبوا إلى مدارسهم. فأين الطفل السابع الذي لم نعرف اسمه بعد؟