بقلم- نادية الجودي
لماذا يعتقد بعض الناس أنهم أحق بالمناصب والتقدير والامتيازات، حتى حين لا تسند مطالبهم كفاءة أو إنجاز؟ سؤال تفرضه مواقف تتكرر في بيئات العمل والعلاقات الاجتماعية، حين تتحول الرغبات إلى حقوق مفترضة، ويصبح رفضها سببًا للاستياء أو الشعور بالظلم. إنها إحدى صور الاستحقاق الوهمي، الذي يجعل الإنسان يتوقع معاملة استثنائية دون مسوغ موضوعي، متجاهلًا حقوق الآخرين ومتطلبات المسؤولية.
في بيئات العمل، تتجلى هذه الظاهرة حين يخلط البعض بين الأقدمية والأحقية المطلقة في الترقية، أو يعتمدون على العلاقات الشخصية للوصول إلى مواقع تتطلب مؤهلات وقدرات محددة. وتتفاقم المشكلة عندما تعزز المجاملات الإدارية والاستثناءات غير المبررة تلك التوقعات، فتتراجع الثقة في عدالة القرارات، ويضعف الحافز لدى أصحاب الكفاءة. فالخلل هنا يتجاوز طموحات الأفراد إلى ممارسات مؤسسية قد تمنح الأفضلية لمن يجيد المطالبة بدلًا ممن يثبت الجدارة.
أما في العلاقات الاجتماعية، فقد يعتقد أحد الأطراف أن صلة القرابة تمنحه حق التدخل في شؤون الآخرين، أو أن معروفًا قدمه سابقًا يفرض امتنانًا دائمًا. عندئذ تتحول المودة إلى التزامات مفروضة، ويصبح الاعتذار عن تلبية طلب يفوق الاستطاعة مدعاة للعتاب. ومع تكرار هذه المواقف، تتأثر العلاقات نتيجة اختلال التوازن بين الأخذ والعطاء.
وقد تسهم بعض أساليب التنشئة القائمة على تلبية الرغبات دون تعزيز المسؤولية في ترسيخ هذا السلوك. كما تغذيه البيئات التي تتساهل مع التجاوزات مراعاة للمكانة أو تجنبًا للخلاف، حتى يعتاد الفرد استثناءات يصعب عليه تقبل غيابها. وتبرز النتيجة في ضعف المراجعة الذاتية؛ إذ قد يفسر الملاحظات الموضوعية بوصفها استهدافًا شخصيًا، وينسب تعثره إلى الآخرين بدلًا من معالجة أسبابه، فيفقد فرصًا مهمة للتعلم والتطور.
غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين الاستحقاق الوهمي والمطالبة المشروعة بالحقوق. فالدفاع عن العدالة والسعي إلى التقدير المهني حقان أصيلان، وقد تتعرض الكفاءات الحقيقية للتهميش رغم استيفائها متطلبات الجدارة. لذلك يبقى الاحتكام إلى الوقائع والمعايير الواضحة أساسًا للحكم على المطالب، بعيدًا عن التعميم أو اعتبار كل اعتراض دليلًا على تضخم الذات.
تبدأ المعالجة بتعزيز ثقافة توازن بين الحقوق والواجبات، وتربط الفرص بالكفاءة، وتؤكد احترام حدود الآخرين. وتتحمل المؤسسات مسؤولية ترسيخ الشفافية في التقييم والترقية، فيما تسهم التربية الواعية في تعليم الفرد تقبل الرفض وتحمل نتائج قراراته. أما على المستوى الشخصي، فتظل مراجعة التوقعات والاستفادة من النقد من أهم وسائل تصحيح هذا السلوك.
إن خطورة الاستحقاق الوهمي تتجاوز تضخم المطالب؛ فهو يضعف العلاقات حين تتحول إلى مصدر دائم للتوقعات، ويؤثر في المؤسسات عندما تتقدم المجاملة على الجدارة، ويحرم صاحبه من فرص التطور حين يرفض الاعتراف بمواطن قصوره. فالمكانة المهنية تُكتسب بالكفاءة، والاحترام يُعزز بحسن التعامل، والحقوق تُصان بالعدالة.
وحين يعتاد الإنسان المطالبة بما يعتقد أنه يستحقه، دون مراجعة ما يقدمه أو احترام ما يستحقه الآخرون، تصبح المشكلة في نظرته إلى الاستحقاق قبل أن تكون في استجابة الحياة لمطالبه.