بقلم- د. سعيد بن فايز الشريف
رغم الجهود التي تبذلها هيئة تقويم التعليم والتدريب في تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية قياس مستوى التحصيل العلمي للطلاب، وتمكين أولياء الأمور من الاطلاع على واقع أبنائهم التعليمي، من خلال الاختبارات الوطنية «نافس»، «واختبار القدرات والتحصلي» الذي يتيح أدوات لقياس مستوى الطالب من جهة خارجية إضافة إلى تقارير المدارس الصادرة عن البرنامج الوطني للتقويم والتصنيف المدرسي التي أصبحت متاحة لولي الأمر ويمكن الاطلاع عليها من خلال تطبيق «مستقبلهم» ، إلا أن بعض المدارس الأهلية وأقول بعض لا تزال تتعامل مع التسويق التعليمي من زاوية مختلفة، يغلب عليها استقطاب الطلاب أكثر من التركيز على جودة المخرجات التعليمية.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون جودة التعليم، ومستوى التحصيل، وكفاءة المعلمين، ونواتج التعلم هي العناوين الأبرز في تسويق المدرسة، نجد أن بعض المدارس تمنح مساحة أكبر للأنشطة اللاصفية، والفعاليات الترفيهية، وجمال البيئة المدرسية، وتعدد الخدمات والمرافق، وكأن هذه العناصر وحدها كافية للحكم على جودة العملية التعليمية.
ولا شك أن الأنشطة والبيئة المدرسية الجاذبة والخدمات الترفيهية عناصر مهمة في بناء شخصية الطالب، وتحفيزه على التعلم، وتوفير بيئة تعليمية صحية، لكنها تظل عناصر مساندة للعملية التعليمية، وليست بديلاً عن جوهرها المتمثل في إتقان الطالب للمهارات والمعارف التي يفترض أن يكتسبها في كل مرحلة دراسية.
وتكمن المشكلة حين تتحول هذه العناصر إلى أدوات تسويقية رئيسة، تستثمر في جذب أولياء الأمور واستقطاب أبنائهم، مستفيدةً من محدودية اطلاع بعضهم على المؤشرات الحقيقية لجودة التعليم، وعدم قدرتهم على التمييز بين المدرسة التي تصنع تعلماً حقيقياً، وتلك التي تجيد صناعة صورة تسويقية جاذبة.
وهنا تبرز مسؤولية لا تقل أهمية، وهي مسؤولية القيادة المدرسية.
فبعض مديري المدارس، وليس جميعهم، يسهمون في تكريس هذه الممارسات، إما سعياً لكسب رضا مالك المدرسة، أو حرصاً على المحافظة على مواقعهم الوظيفية، فتتحول أولوياتهم من تحسين نواتج التعلم ورفع مستوى التحصيل إلى زيادة أعداد الطلاب وتعزيز الصورة التسويقية للمدرسة، حتى وإن جاء ذلك على حساب الاهتمام بجوهر العملية التعليمية.
وقد تزداد هذه الإشكالية في بعض الحالات التي يُسند فيها العمل القيادي إلى أشخاص حديثي التخرج، أو ممن لم يسبق لهم ممارسة القيادة المدرسية ميدانياً، دون امتلاك الخبرة التربوية والإدارية الكافية التي تؤهلهم لقيادة مؤسسة تعليمية. ناهيك أن بعضهم دوره يتمحور في "ودَّع واستقبل" فالقيادة المدرسية ليست مجرد منصب أو مهام تشغيلية، بل مسؤولية تتطلب خبرة ميدانية، ورؤية تعليمية، وشخصية قيادية قادرة على اتخاذ القرارات التي تخدم مصلحة الطالب، حتى وإن لم تكن الأكثر إرضاءً للمالك.
وفي المقابل، نجد أن المدارس التي تجعل جودة التعليم والتعلم أولوية حقيقية، تحرص على استقطاب القيادات التربوية المؤهلة، ومن ذلك أصحاب الخبرات الطويلة في القيادة المدرسية والإشراف التربوي، ممن مارسوا العمل الميداني، وامتلكوا سجلاً من الخبرة والإنجاز، ويستطيعون نقل خبراتهم إلى بيئة التعليم الأهلي.
ومن الإنصاف هنا ألا نحمّل مالك المدرسة المسؤولية كاملة عن هذه الممارسات.
فبعض الملاك لديهم رغبة حقيقية في تطوير مدارسهم وتحقيق التميز التعليمي، إلا أنهم يعتمدون في تقييم الأداء على ما يرفعه إليهم مديرو المدارس من تقارير ومؤشرات. وهنا قد يستثمر بعض المديرين اهتمام المالك بزيادة أعداد الطلاب، فيجعلون الأنشطة والفعاليات والبرامج الترفيهية وسيلة رئيسة لاستقطاب الطلاب وإظهار نجاح المدرسة، وكسب رضا المالك من خلال ارتفاع معدلات التسجيل، دون أن يقابل ذلك اهتمام مماثل بقياس نواتج التعلم ومستوى التحصيل الفعلي.
ومن هنا، فإن مسؤولية المدير لا تقتصر على تحقيق المستهدفات التشغيلية والتسويقية، بل تشمل تقديم صورة صادقة ومتكاملة عن الأداء التعليمي، ووضع مصلحة الطالب وجودة تعلمه في مقدمة الأولويات. كما تقع على المالك مسؤولية التأكد من أن مؤشرات نجاح مدرسته لا تُختزل في أعداد الطلاب والإيرادات، بل تشمل جودة التعليم والأثر الحقيقي الذي تحققه المدرسة في تعلم أبنائها.
فالقيادة المدرسية الحقيقية لا تُقاس بقدرة المدير على إرضاء المالك، بل بقدرته على إقناعه بأن جودة التعليم هي الاستثمار الأهم والأكثر استدامة.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض أولياء الأمور لا يكتشفون الفجوة إلا عند وصول أبنائهم إلى المرحلة الثانوية، حين تظهر نتائج مرتفعة في المعدل التراكمي للثانوية العامة، تقابلها نتائج متدنية في اختباري القدرات والتحصيلي، فتكون المحصلة درجة موزونة لا تعكس التوقعات التي بنوا عليها آمالهم، ولا تتناسب مع السنوات التي قضوها في تلك المدارس ناهيك عن الضخ المالي الذي استنزف ولي الأمر خلال تلك السنين.
وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن أن يحصل الطالب على درجات مرتفعة طوال سنوات دراسته، ثم يواجه صعوبة في تحقيق نتائج مماثلة في اختبارات تقيس قدراته ومكتسباته العلمية؟
إن هذا التباين يستحق الوقوف عنده، ودراسته من خلال مؤشرات موضوعية، بعيداً عن التعميم أو إطلاق الأحكام؛ فقد تكون هناك عوامل متعددة تؤثر في نتائج الطالب، لكن تكرار هذه الفجوة يفرض ضرورة مراجعة مدى اتساق التقويم الداخلي في بعض المدارس مع مستوى التحصيل الفعلي.
إن ولي الأمر لا يبحث عن مدرسة جميلة فحسب، ولا عن جدول حافل بالرحلات والفعاليات، بل يبحث عن مؤسسة تعليمية تؤسس لمستقبل ابنه، وتمنحه المعرفة والمهارات والقدرة على المنافسة والالتحاق بالتخصصات الجامعية التي يطمح إليها.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على ولي الأمر وحده، بل تمتد إلى المدارس الأهلية في ضرورة تقديم صورة شفافة عن نتائجها التعليمية، وإلى الجهات المعنية في تعزيز أدوات المقارنة والإفصاح عن مؤشرات الأداء، بما يساعد الأسرة على اتخاذ قرار تعليمي مبني على معلومات موثوقة.
كما أن من الضروري إعادة النظر في معايير اختيار القيادات المدرسية، بحيث لا يكون شغل المنصب قائماً على الاعتبارات التشغيلية أو الشخصية وحدها، بل يستند إلى الكفاءة والخبرة والقدرة على قيادة التحسين التعليمي، وربط تقييم أداء المدير بمدى تطور نواتج التعلم، وليس فقط بمعدلات التسجيل والإيرادات ورضا المالك.
إننا بحاجة إلى إعادة تعريف التسويق التعليمي في المدارس الأهلية؛ فليس النجاح أن تجيد المدرسة استقطاب الطلاب، وإنما أن تثبت قدرتها على تعليمهم. وليس المعيار أن يخرج الطالب من المدرسة سعيداً بما شاهده من أنشطة وفعاليات فحسب، بل أن يخرج منها مسلحاً بالعلم والمهارة والثقة في قدراته.
فمن المؤسف أن يكتشف ولي الأمر بعد اثني عشر عاماً من التعليم أنه كان يقيس جاذبية المدرسة، بينما كان يفترض أن يقيس جودة التعليم فيها.
فالمدرسة التي تنجح في تسويق صورتها ولا تنجح في بناء مستقبل طلابها، إنما تسوّق الوهم على حساب التعليم.
وفي نهاية المطاف، لا نريد مالكاً يقيس نجاح مدرسته بعدد المسجلين فقط، ولا مديراً يجيد إرضاء المالك على حساب رسالته التربوية، بل نريد شراكة واعية بين المالك والقيادة المدرسية، تجعل جودة التعليم والتعلم هي الأولوية، وتضع مصلحة الطالب فوق كل اعتبار.
فالطالب ليس رقماً في سجل التسجيل، والأنشطة ليست بديلاً عن التعلم، والنجاح الحقيقي للمدرسة لا يُقاس بعدد من تستقطبهم، بل بما تصنعه في عقولهم ومستقبلهم.