الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ نوفمبر-٢٠٢٦       4675

بقلم - د. هدى بنت سعيد الكثيري

لم تكن الشائعة يومًا مجرد خبر عابر يتناقله الناس، بل قد تتحول إلى أداة لصناعة الخوف وإرباك الوعي وزعزعة الثقة داخل المجتمعات، خصوصًا حين تُوظف الأخبار المضللة لتوجيه الرأي العام والتأثير في المواقف. وقد حذر القرآن الكريم من هذا المسلك، وكشف خطورة الإرجاف بوصفه سلوكًا يتجاوز الكذب إلى إثارة الاضطراب والإضرار بأمن المجتمع وتماسكه.

قال تعالى: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: 60]. وفي هذه الآية دلالة على خطورة الإرجاف وآثاره في استقرار المجتمع، وما قد يترتب عليه من إضعاف الثقة وإشاعة الخوف بين أفراده.

ولعل ما يستحق التوقف عنده أن الإرجاف لا يقتصر على اختلاق الأخبار، بل قد يبدأ من واقعة صحيحة تُجتزأ من سياقها، أو معلومة تُضخّم دلالاتها، أو تحليل شخصي يُقدّم للناس بوصفه حقيقة ثابتة. وهنا يتحول الخبر من وسيلة للمعرفة إلى أداة للتأثير النفسي وصناعة الشك.

وقد أرست الشريعة الإسلامية منهجًا واضحًا في التعامل مع الأخبار يقوم على التثبت وعدم الانسياق خلف كل ما يُنشر أو يُتداول، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم.

وتتأكد أهمية هذا التوجيه في عصر المنصات الرقمية، حيث باتت الشائعة قادرة على الوصول إلى آلاف المتلقين خلال دقائق، وقد يُعاد إنتاجها عبر مقاطع مجتزأة أو عناوين مثيرة أو قراءات انتقائية تُغذّي المخاوف وتربك فهم الأحداث.

ومن المهم هنا التمييز بين النقد المسؤول والإرجاف؛ فليس كل سؤال أو كشف لخلل أو تحذير من خطر حقيقي إرجافًا. فالنقد الذي يستند إلى الوقائع والأدلة ويهدف إلى الإصلاح يمثل ممارسة مسؤولة، بينما يقوم الإرجاف على التهويل والتضليل وترويج ما لم يثبت. ولا يجوز أن يتحول هذا المفهوم الشرعي إلى وسيلة لتصنيف المخالفين أو مصادرة الآراء.

ولقد قدّم القرآن الكريم منهجًا في التعامل مع الأخبار المتصلة بالأمن والخوف، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. وهو توجيه يؤكد أهمية الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص قبل تداول الأخبار وإصدار الأحكام، خصوصًا في القضايا التي تمس الأمن والمصالح العامة.

إن مواجهة الإرجاف لا تتحقق بمجرد نفي الشائعات بعد انتشارها، بل تبدأ ببناء وعي مجتمعي قادر على التمييز بين الحقيقة والانطباع، وبين الخبر والتحليل، وبين النقد الموضوعي والتضليل المتعمد. كما تتطلب من المؤسسات الإعلامية والنخب الفكرية والجهات المختصة المبادرة إلى البيان المسؤول وتصحيح المعلومات بالحجة والدليل.

وتبقى مسؤولية الكلمة مشتركة بين من يصنع الخبر ومن ينقله ومن يعيد نشره؛ فحسن النية لا يعفي من واجب التثبت، كما أن حرية التعبير لا تنفصل عن الأمانة العلمية والأخلاقية.

وفي الختام، فإن حماية المجتمع من الإرجاف لا تعني حجب الحقائق أو التضييق على النقد المسؤول، بل تعني ترسيخ ثقافة التثبت والإنصاف والشفافية، وإدراك أن الكلمة قد تكون وسيلة لبناء الوعي أو أداة لإثارة الخوف وتقويض الثقة.

فالتثبت أمانة، والبيان مسؤولية، والوعي خط الدفاع الأول في مواجهة الإرجاف.