النهار

٠١ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ يونيو-٢٠٢٦       1870

بفلم ـ جمعان الكرت 

للمسرح قيمته الفكرية والثقافية وتأثيره الفاعل في المجتمعات لذا يستحق أن يُطلق عليه «أبو الفنون». وحين يحتفي العالم بأسره بالمسرح، فإن ذلك يؤكد أهمية هذا الرافد الثقافي وضرورة استثماره فيما يخدم الفكر البشري، وينمّي الوعي، ويعزز قيم الجمال والإبداع.
لمعت في ذاكرتي بعض الأعمال المسرحية التي شهدتها مدينة الباحة حيث حملت مدارس المرحلتين المتوسطة والثانوية لواء هذا الفن الجميل، وفق الإمكانات المتاحة وجهود المديرين والمعلمين القائمين عليه.وقد تميز معهد الباحة العلمي بأعماله المسرحية فقدم طلابه مسرحيات تاريخية واجتماعية متنوعة، وكذلك المعهد الثانوي. وما زلت أذكر حتى التفاصيل الصغيرة لمسرحية عُرضت عام 1394هـ بعنوان «جابر عثرات الكرام»، قدمها طلاب ثانوية السروات، وقد اتكأت على عناصر العمل المسرحي المتكامل تأليفًا وإخراجًا وسيناريو وإضاءة. ولعل ذلك يعود إلى استيعاب مؤلف العمل ومخرجه – وهو أحد معلمي المدرسة – للأسس الفنية السليمة لهذا الفن، لتظل تلك المسرحية حديث المجتمع آنذاك.
ويُعد المسرح المدرسي الأسبق حضورًا في المنطقة من خلال المهرجانات الختامية التي كان يشرف عليها معلمون عرب تناولوا في أعمالهم قضايا الأمة العربية وقضايا المجتمع المحلي. وقد أسهم المسرحي الأستاذ محمد ربيع عام 1397هـ في تقديم مسرحية «تاجر البندقية» التي أعدها الدكتور إسماعيل الغسال عن الأصل الشكسبيري، وعرضها طلاب متوسطة بني سار على مسرح متوسطة التوفيق خلال الحفل الختامي للمنطقة.
وقدم لمسرح معهد المعلمين عددًا من المسرحيات من بينها «لقافة» المقتبسة من قصة «سر الحقيبة» لرستم كيلاني، ومسرحية «الحمار مات» لإبراهيم العوادلي، وهو أحد المعلمين العرب بالمعهد.
ثم واصل الأستاذ محمد ربيع مسيرته في هذا الفن الجميل مع نادي السراة من خلال مسرحية «عرسان فوق الثمانين» عام 1400هـ، وهي أول مسرحية كُتبت وفق القواعد الأرسطية بالعامية الباحوية، ثم أتبعها في العام الذي يليه بمسرحيات «أضواء المدينة»، و«شهادات على الريق»، و«اللطمة»، و«انكسارات الشنفرى»، لتسهم جميعها في إثراء المشهد المسرحي المحلي.
كما قدم للبرنامج الصيفي مسرحية «الشجرة والأرض»، التي تناولت قضية اتجاه الناس للبناء على الأراضي الزراعية نتيجة منع البناء على الأراضي الجبلية آنذاك
وتحكي المسرحية قصة رجل كفيف متقدم في السن يعيش مع أبنائه وأحفاده في رغد من العيش، وبعد عملية جراحية ناجحة عاد إليه بصره، وحين شاهد المنزل الذي شُيّد في أعز أراضيه الزراعية سأل أبناءه: من أين تأتون بالحبوب؟ فأجابوا: من أستراليا. فكانت صدمته كبيرة، لأنه ظل طوال ربع قرن يدعو لأستراليا بالخير، معتقدًا أن الخبز الذي يتناوله مصدره مزرعته التي فقدها بسبب البناء عليها.
وواصل ألقه المسرحي بتقديم مسرحية «الوصية» التي عُرضت في المهرجان الثقافي بالجنادرية، ومسرحية «قضية جمل» التي أخرجها محمد مقعي، ومسرحية «المسرحيون الصغار» التي أخرجها أحمد صمعي، وكلتاهما موجهة للطفل، وأخيرًا مسرحية «الريشة والسهم». كما شارك في مسابقة الهيئة العربية للمسرح بنص «بائعة الورد»، الذي صُنّف ضمن أفضل عشرين نصًا من بين نحو 150 نصًا من مختلف البلدان العربية. وليكمل فرع جمعية الثقافة والفنون بالباحة مسيرة هذا الفن، قدم مسرحية «المليونير» من تأليف مدير الجمعية الراحل الأستاذ محمد سعد فيضي – رحمه الله – وإخراج جبر الجبر، وبمشاركة الممثل علي السبع وعدد من رواد التمثيل. ثم واصل الفرع ألقه خلال فترة إدارة الأستاذ عبدالناصر الكرت، وبمتابعة الأستاذ صالح مديس مسؤول النشاط الثقافي والمسرحي، حتى استحق تمثيل المملكة بمسرحية «أسنة الثلج» في مهرجان دمشق الدولي، فضلًا عن تقديم عدد من الأعمال المسرحية، من أبرزها: «السواد الأعظم» إخراج نادر معتوق، و«المارد والغابة»، و«القبوري»، و«ممالح وملامح»، و«الأصدقاء الأوفياء»، و«هل قتلت أحدًا؟»، و«الرغبة الوصية»، و«فرصة تعيسة»، و«الحكواتي»
كما سجل الفرع حضورًا فاعلًا في فعاليات الصيف ومهرجان الجنادرية وأسهم في ترسيخ الحراك المسرحي بالمنطقة.
والحقيقة أن المسرح – على مستوى الساحة الثقافية – لا يزال يعاني من عدد من الإشكالات والتحديات، ولعل من أبرزها صعوبة العثور على الممثل الموهوب، بوصفه العنصر الأهم الذي يتوقف عليه نجاح العمل المسرحي أو تعثره، ويعود ذلك إلى عدم توفر المعاهد المتخصصة في هذا المجال، فضلًا عن ضعف استثمار المسارح المدرسية. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن عدد المسارح المدرسية يتجاوز خمسة آلاف مسرح، إلا أن كثيرًا منها لم يُوظف بالشكل الأمثل لاكتشاف الموهوبين ورعاية المبدعين.
ولقد كانت وزارة التعليم قبل ثلاثة عقود تولي المسرح المدرسي اهتمامًا ملحوظًا، غير أن ذلك الاهتمام تراجع مع مرور الوقت، مما انعكس على مستوى النشاط المسرحي في المدارس. ويمكن القول إن فترة ازدهار المسرح في مدينة الباحة كانت في مطلع عقد 1400هـ، بمشاركة نادي السراة الرياضي وعدد من المدارس الثانوية، حيث نشط المسرح فيها بوجود عدد من المهتمين والمبدعين، وفي مقدمتهم المؤلف الأستاذ حسين عباس.
وهنا أشيد بالفكرة التي طرحها الأستاذ ناصر العمري حول أهمية توثيق مراحل المسرح في المنطقة بكاملها؛ تهامة وسراة وبادية. ويمكن في هذا الجانب الاستفادة من الأستاذ محمد ربيع باعتباره أحد أهم وأوثق مصادر المعلومة، لكونه عايش المسرح منذ مراحله الأولى، فضلًا عن مشاركته تأليفًا وإخراجًا لعدد من الأعمال المسرحية المتميزة، حين كان معلمًا في ثانوية بني سار والمعهد الثانوي، ثم مشرفًا ثقافيًا في نادي السراة والمعهد الثانوي ونادي السراة فضلا عن جهده البارز في تعليم جدة .
ولعل المتأمل في  مسيرة المسرح  بالباحة يدرك أنه لم يكن مجرد نشاط ترفيهي عابر، بل كان منبرًا ثقافيًا وتربويًا أسهم في صقل المواهب، وتنمية الوعي، وطرح القضايا الاجتماعية والوطنية بلغة فنية مؤثرة. كما كان المسرح نافذة أطل منها كثير من الشباب على آفاق الإبداع، فبرز من خلاله كتاب ومخرجون وممثلون تركوا بصماتهم في المشهد الثقافي المحلي.
ومن هنا فإن توثيق هذه المسيرة لا يعد وفاءً لروادها فحسب، بل حفظًا لجزء مهم من الذاكرة الثقافية لمنطقة الباحة، التي أسهم أبناؤها في صناعة مشهد مسرحي يستحق الدراسة والتوثيق. وربما آن الأوان لإصدار عمل توثيقي شامل يرصد التجارب المسرحية في السراة وتهامة والبادية، ويجمع النصوص والصور والشهادات والوثائق، حتى تبقى هذه التجربة حاضرة في وجدان الأجيال القادمة، شاهدة على مرحلة ثقافية زاخرة بالعطاء والإبداع، أسهمت في بناء مشهد مسرحي يستحق أن يُروى، ويُوثق، ويظل حاضرًا في ذاكرة المكان والإنسان.
ويمكن القول بأن رحل المسرح بدأت من خشبة المسرح المدرسي، ثم اتسعت لتصنع حضورًا ثقافيًا لافتًا في جمعية الثقافة والفنون، وتمنح الباحة صفحة مضيئة في سجل المسرح السعودي.