النهار

١٤ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ يوليو-٢٠٢٦       5115

بقلم ـ غازي العوني

حين يغيب  الضمير  يصبح الإنسان مريضاً، لكن مرضه لا يُشخّص في عيادة ولا يُعالج بدواء. يكفيه أن يجد لنفسه تبريراً، فيتحول الجنون إلى *تقليد*، والخطأ إلى موقف، والانحدار إلى "تحرر".

 

سمعنا قديماً عن "جنون البقر". كانوا يقولون إنه مرض يصيب الماشية فيفقدها توازنها، فتخبط في الحيطان بلا سبب. ومررناه يومها على أنه خبر غريب لا يعنينا. لكننا لم نفهم الدرس إلا متأخراً: أن أخطر الأمراض لا تنتقل بالعدوى فحسب، بل بعدم تداركها قبل أن تتسع.

 

اليوم نرى بشراً يجنون، لا لأن عقولهم تلفت، بل لأن بوصلتهم الداخلية انطفأت.  الضمير  هو ذلك الصوت الخافت الذي كان يهمس: "قف، هذا خطأ". فإذا أسكتناه مرة، صاح مرة أخرى بصوت أعلى. وإذا _عطلناه_، سكت. وحين يُعطل  الضمير  يولد ألف مبرر.

 

*وما نراه اليوم من سفك للدماء واضطهاد للبشر، ليس إلا نتيجة مباشرة لتعطيل الضمير. فالرصاصة لا تُطلق إلا بعد أن يُعطل  الضمير  أولاً. والجنون لا يستمر إلا حين تموت البوصلة التي كانت تمنع اليد من أن ترتكبه.*

 

يصبح التمرد على القيم بطولة، ويصبح دوس المبادئ "واقعية"، ويصبح الكذب "ذكاء اجتماعي". الإنسان بلا ضمير لا يعترف بأنه مجنون، بل يقنعك بأن العالم كله هو المجنون وهو الوحيد العاقل.

 

المفارقة أن جنون البقر كان يعالج بالعزل والتخلص من المصاب. أما جنون البشر فيعالج بالتصفيق والمتابعة. نكافئ من باع ضميره بلقب "شاطر"، ومن تجاوز حدوده بلقب "جريء". ثم نستغرب لماذا ضاقت الدنيا بأهلها.

 

الضمير ليس شيئاً خارجياً نستعيره من كتاب أو قانون. هو إحساس داخلي، *بوصلة* في القلب قبل أن تكون فتوى في العقل. هو الذي يجعلك تستحي من نفسك قبل أن تخاف من الناس. فإذا غاب، لم يعد هناك فرق بين الإنسان وبين غريزته.

 

نحن لا نحتاج إلى مزيد من القوانين بقدر ما نحتاج إلى صحوة ضمائر. لأن القانون يلاحق الجسد، أما  الضمير  فهو وحده الذي يلاحق الروح في عتمة الليل.

 

وحين يغيب الضمير... لا تسأل لماذا جن البشر. اسأل: من الذي _عطل_  الضمير  أولاً؟