النهار السعودية
بقلم- د. نجوى الكحلوت
قبل أكثر من خمس عشرة عامًا كانت (حبة الشوكولا) اسمًا لزاويتي في مجلة "عالم الغذاء" أعالج فيها المشكلات الاجتماعية، وأطرح فيها أفكارًا لأسرة سعيدة. واخترت هذا الاسم بعناية فائقة، ربطًا بالأثر الجميل الذي يتركه مذاق الشوكولا في أمزجتنا. كانت الصفحة ورقية، وذلك قبل أن يتسع مدى الفضاء الإلكتروني ويمنحنا مزيدًا من القراء ومزيدًا من الاتساع أيضا..
وفي اليوم العالمي للشوكولاته، أستعيد رسالة تلك الصفحة، وأكتب عن الشوكولا بصفتها أثرًا قبل أن تكون مذاقًا؛ فهي طعمًا يصنع ذاكرة عند ذوبانه في الفم، وقصةً تنطق ألوان حُبٍ كأشكال الشوكولا المختلفة، في كل مرة نمنحها لأحد، أو نتقاسمها في مجلس، أو نخبئها مفاجأة صغيرة لطفل أنهكه يومٌ مدرسي.
وحين أتأمل تاريخها، أجدها درسًا في التحول: بدأت شرابًا مرًّا عند شعوب أمريكا الوسطى، يُقدَّم في المناسبات المقدسة والاحتفالات الكبرى، ثم عبرت المحيطات فتبدّل طعمها، وتبدّلت معه وظيفتها الاجتماعية. من شراب للطقوس إلى قطعة نتبادلها في الأعياد، إلى هدية نُعبّر بها عمّا يكنه القلب من ود. وهذا بالضبط ما يجعلها أثرًا: فقد حملت معها، عبر قرون وثقافات، وظيفة صناعة المشاعر وجميل اللحظات.
ولها في بيوتنا، حضور رمزي فاعل، تتوسد المنضدة الرئيسة بلا مناسبة، وتكسر التوتر حين يشتد النقاش العائلي، وتتصدر المصالحة بعد خلاف عابر، كم من أمّ خبّأت قطعة شوكولا لأبنائها مكافأة على تصرف حسن، تعلمهم بلطف معنى الحب والعطاء! وكم من أبٍ أعاد بها الابتسامة إلى عائلته، فقالت الشوكولا ما لم تقله الكلمات.
ولعل أجمل ما فيها أنها تُذكّرنا بأن السعادة قد تصنعها التفاصيل الصغيرة التي نُهديها لمن نحب دون سابق ترتيب.
واليوم، أجدد الكتابة عن تلك اللغة الصامتة التي تُنطقها التجربة الإنسانية عبر المواقف النبيلة؛ فقطعة من الشوكولا مع إحساس نابض تكفي.
وتبقى تلك الصفحات الورقية القديمة شاهدة على أن الفكرة، مهما تغيّر وعاؤها، لا تفقد أثرها ما دامت صادقة... تمامًا كطعم الشوكولا الذي لا يتغير، وإن تغيّرت الأزمنة والأدوات من حولنا.