النهار

١٥ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ يوليو-٢٠٢٦       5500

بقلم-د.خلف بن مسيب

تتجدد بين الحين والآخر المبادرات الهادفة إلى تخفيف أعباء الزواج والحد من المغالاة في المهور وتكاليف المناسبات، وهي مساعٍ تستحق الإشادة من حيث المبدأ؛ إذ تعالج قضية تمس استقرار الأسرة ومستقبل الشباب. غير أن سلامة المقصد لا تغني عن سلامة الوسيلة، فالإصلاح الاجتماعي لا ينجح بالإلزام بقدر ما ينجح بالإقناع.

لقد أثبتت التجارب أن العادات الراسخة لا تزول بقرار، ولا تتغير بمجرد توقيع اتفاقية، وإنما تتبدل حين يقتنع الناس بأن في تغييرها مصلحة لهم ولمجتمعهم. ومن هنا فإن تحويل مبادرات التيسير إلى أدوات لإلغاء بعض المظاهر الاجتماعية المشروعة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يشعر أفراد المجتمع بأن خصوصيتهم الثقافية أصبحت محل وصاية، فينشأ الرفض بدل القبول، والتشبث بدل المراجعة.

إن كثيرًا من مظاهر الزواج تحمل دلالات إنسانية واجتماعية نبيلة؛ فهي تعبير عن الفرح، وتوثيق للروابط، وإحياء لقيم الكرم والتكافل. والمشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود هذه المظاهر، بل في تجاوزها حد الاعتدال حتى تصبح بابًا للتفاخر والتنافس المرهق. لذلك ينبغي أن يتجه الجهد الإصلاحي إلى محاربة الإسراف، لا إلى محو الموروث، وإلى ترشيد العادات، لا إلى استبدالها بقيود جديدة.

إن الطريق الأجدى هو نشر الوعي، وتقديم النماذج الناجحة للزواج الميسر، وإشراك العلماء والمربين ووجهاء المجتمع في حوار هادئ يرسخ القناعة بأن قيمة الزواج في مقاصده السامية، لا في كلفة مظاهره. فحين تنبع القناعة من داخل المجتمع، يصبح التغيير أكثر رسوخًا واستدامة، وتتحقق الغاية المنشودة دون صدام مع الهوية أو انتقاص من حرية الاختيار.

يبقى التيسير هدفًا نبيلًا لا خلاف عليه، لكنه يبلغ غايته الكاملة عندما يقترن بالاحترام والثقة بقدرة المجتمع على إصلاح نفسه. فالإصلاح الذي يصنعه الوعي أعمق أثرًا من أي إلزام، وما يبنى على القناعة يدوم، أما ما يفرض بالإلغاء فقد يحقق امتثالًا مؤقتًا، لكنه نادرًا ما يصنع تحولًا حقيقيًا.....
وهذا مقال لي