النهار

٢٠ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ ابريل-٢٠٢٦       3245

بقلم - الحجاز الثقفي

في كل عام، تختار دار نشر جامعة اكسفورد كلمة تعبّر عن روح المرحلة، لكن العام 2024 كان مختلفاً تماماً. لم يكن الاختيار مجرد لكلمة عابرة، بل أقرب إلى رسالة تنبيه واضحة، تجسّدت في إدراج مصطلح "العفن الدماغي" (Brain Rot) في قاموس اكسفورد الإنجليزي، ليصف حالة يعيشها كثير منا اليوم دون أن يجد لها اسماً.
لكن ماذا يعني هذا المصطلح فعلياً في حياتنا اليومية؟
ببساطة، يشير هذا المصطلح إلى تراجع في التركيز والقدرة على التفكير، نتيجة الإفراط في استهلاك محتوى سطحي وسريع، خصوصاً عبر الإنترنت. وهذا ليس أمراً عشوائياً، بل نتيجة طبيعية لواقع رقمي متسارع نعيشه يومياً. فنحن لم نعد فقط نعيش في عصر المعلومات، بل في زمن طوفان المحتوى، حيث لم يعد التحدي هو الوصول إلى المعرفة، بل الحفاظ على تركيزنا وسط هذا التدفق المستمر.
والمثير للاهتمام أن هذه الفكرة ليست وليدة اللحظة، فقد أشار إليها قبل أكثر من قرن Henry David Thoreau في كتابه (Walden)، حين حذّر من ميل الإنسان إلى السهولة على حساب العمق. لكن ما كان آنذاك مجرد تأمل فلسفي، أصبح اليوم سلوكاً يومياً، تدعمه خوارزميات صُممت بعناية لتبقينا متصلين… ومشتتين في الوقت ذاته.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في المحتوى نفسه، بل في طريقة استهلاكه. فالمقاطع القصيرة والسريعة تجذبنا بسهولة وتمنحنا متعة لحظية، لكنها لا تترك مساحة للتفكير أو التأمل. ومع الوقت، نجد أنفسنا أقل صبراً، وأكثر تشتتاً، ونواجه صعوبة في قراءة كتاب، أو متابعة فيلم طويل، أو حتى إنجاز مهمة واحدة دون تشتت.
ولفهم الصورة بشكل أوضح، لننظر إلى تفاصيل سلوكنا اليومي البسيطة: تمرير لا ينتهي للمحتوى، إشعارات متلاحقة، وتنقّل سريع بين التطبيقات. كل ذلك يضع عقولنا في حالة انشغال دائم، ويقلل من قدرتها على التركيز  والتأمل التي يحتاجها للتفكير والإبداع.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل نحن ضحايا هذا الواقع، أم شركاء في صناعته؟ الحقيقة أننا نعود إلى هذا النمط بإرادتنا، رغم معرفتنا بتأثيره. نختار السرعة بدلاً من العمق، والمتعة السريعة بدلاً من الفائدة طويلة المدى، وكأننا نستبدل جودة تفكيرنا براحة مؤقتة.
لذلك، لم يعد الموضوع تقنياً فقط، بل أصبح مسؤولية شخصية. كيف نحافظ على تركيزنا في عالم يتنافس على انتباهنا؟ وكيف نستخدم التقنية دون أن تتحكم بنا؟ الحلول قد تبدو بسيطة، لكنها تحتاج إلى وعي حقيقي: تقليل وقت الشاشة، إيقاف الإشعارات غير المهمة، تخصيص وقت للقراءة، والعودة إلى أنشطة تتطلب صبراً وتركيزاً.
ختاماً، لم يكن إدراج هذا المصطلح في قاموس لغوي مجرد إضافة لغوية، بل جرس إنذار مبكر. فالمشكلة اليوم ليست في نقص المعلومات، بل في تآكل قدرتنا على التعامل معها. والسؤال الذي يبقى: هل ننتبه الآن… أم نترك التشتت يتحول إلى أسلوب حياة؟