النهار

٠٣ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ يونيو-٢٠٢٦       4070

بقلم - د. طارق بن حزام

تُعدّ الأمثال الشعبية خلاصة تجارب الشعوب وصياغةً مكثفةً لخبرات الحياة عبر أجيال متعاقبة، حتى غدت جزءًا أصيلًا من الذاكرة الثقافية والاجتماعية. غير أن هذا الموروث، على قيمته، يحتاج إلى قراءة نقدية واعية تستكشف أثره في تشكيل الوعي والسلوك؛ فالمثل الشعبي قد يتحول أحيانًا من مصدر للحكمة إلى أداة لتبرير بعض السلوكيات السلبية حين يُفهم خارج سياقه أو يُوظَّف بطريقة غير دقيقة.

فالمثل ليس مجرد عبارة متداولة، بل فكرة مختزلة تحمل خلفها ظروفًا تاريخية وثقافية واجتماعية. لكن التلقي غير الواعي قد يجعله قاعدةً مطلقة تُقاس عليها المواقف كافة، وهنا يبدأ الانحراف في الفهم.

حين تتحول الحكمة إلى قيود

كثير من الأمثال وُلدت لتقديم نصيحة أو معالجة موقف معين، إلا أن استخدامها خارج سياقها قد يمنحها دلالات مغايرة. فالمثل القائل: «على قدر لحافك مدّ رجليك» يدعو في أصله إلى التوازن وعدم تجاوز الإمكانات، لكنه قد يُستخدم أحيانًا لتثبيط الطموح والحد من روح المبادرة.

وبالمثل، قد يُستدعى قولهم: «إن كانت لك عند الكلب حاجة فقل له يا سيدي» لتبرير التزلّف والمجاملة المفرطة، بينما يتحول مثل «اليد التي لا تستطيع مصافحتها قبّلها» من دعوة إلى تجنب الصدام إلى مبرر للخضوع والذل.

كما أن بعض الأمثال قد تُوظَّف لترسيخ قيم سلبية بصورة غير مباشرة؛ فمثل «تمسكن حتى تتمكن» قد يُستخدم لتبرير الخداع وإخفاء النوايا، ومقولة «لا يعيب الرجل إلا جيبه» تختزل قيمة الإنسان في المال والمظاهر، متجاهلةً الأخلاق والعلم والقيم. أما عبارة «ما أنا إلا عبد المأمور» فقد تتحول إلى وسيلة للتنصل من المسؤولية وإضعاف روح المبادرة وتحمل النتائج.

ولا يختلف الأمر كثيرًا مع أمثال أخرى مثل: «الباب اللي يجيك منه الريح سده واستريح»، الذي قد يُفهم على أنه دعوة للهروب من التحديات بدل التعامل معها بحكمة، أو «إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب»، الذي يُساء توظيفه أحيانًا لتبرير العدوانية والغش والانتقام.

ومن الأمثال التي قد تترك أثرًا نفسيًا سلبيًا إذا أُسيء فهمها: «إذا فات الفوت ما ينفع الصوت»، إذ قد يُرسّخ ثقافة اليأس والاستسلام، و«اتقِ شر من أحسنت إليه»، الذي قد يُنتج سوء ظن بالناس إذا جرى تعميمه على جميع العلاقات. كما قد يُستخدم مثل «كل تأخيرة فيها خيرة» لتبرير الكسل والتأجيل، رغم أن معناه الحقيقي يرتبط بحسن الظن بالله بعد بذل الأسباب، لا بتعطيل السعي والعمل.

أثر الأمثال في تشكيل الوعي الاجتماعي

لا تقف آثار الأمثال عند حدود الفرد، بل تمتد إلى تشكيل الوعي الجمعي. فبعضها قد يعزز الفردية المفرطة، مثل: «كلٌّ ينام على الجنب الذي يريحه»، وبعضها الآخر قد يرسخ نظرة سلبية للعلاقات الاجتماعية، مثل: «الأقارب عقارب»، بما ينعكس على تماسك المجتمع وروابطه.

كما أن عبارات مثل: «السكوت علامة الرضا» قد تُستخدم لتبرير الصمت عن الخطأ، رغم أن الصمت قد يكون أحيانًا خوفًا أو عجزًا أو تقديرًا للموقف، لا قبولًا به.

إن الإشكال ليس في الأمثال الشعبية ذاتها، بل في طريقة فهمها وتوظيفها؛ فالمثل المرتبط بظرف معين قد يفقد دقته إذا عُمِّم دون وعي أو تحليل. ومن هنا تبرز أهمية قراءتها قراءة نقدية تميز بين ما يعزز القيم الإيجابية كالشجاعة والعدل والطموح، وما قد يُستخدم لتبرير السلبية أو الاستسلام.

ختامًا، تبقى الأمثال الشعبية مرآةً لتجارب البشر، لا سلطةً مُلزِمة على العقول. فالعبرة ليست بما ورثناه من أقوال، بل بحسن فهمها وتوظيفها؛ حتى يكون التراث مصدر إلهامٍ للعقل، لا قيدًا عليه.