النهار
بقلم ـ غازي العوني
يولد الإنسان وفي صدره الكتالوج. صفحاته مكتوبة بحبر الفطرة قبل أن تمسه يد. فيه المخطط الأصلي لكل ما يجب أن يكون. يضبطك على اتجاه الخير، لأنه هو البوصلة التي وُلدت معك، ويكشف لك موضع العطب قبل أن يظهر الدخان. يقول لك إن الظلم يهدمك وإن الرحمة تبنيك. إن الصدق يصلحك وإن الكذب يعطل دوائرك. لا يحتاج تحديثاً من الخارج لأنه نزل كاملاً. المشكلة ليست في نقص الصفحات، بل في عين لا تقرأ.
ثم يأتي العقل مهندساً. وظيفته أن يفتح الكتالوج ويفك رموزه. يقيس المسافة بين الفكرة والفعل، ويرسم الجسر بين النية والتنفيذ. العقل بلا كتالوج يتحول إلى آلة عمياء. لكنه مع الكتالوج يصير حكمة تمشي على قدمين. يأخذ الخير الخام من القلب ويحوله إلى نظام، ويأخذ النهي فيحوله إلى جدار يحميك من السقوط.
والضمير هو ورشة الحياة كلها. لا جدار فيها ولا سقف، مفتوحة على السماء. فيها يجلس المهندس وبين يديه الكتالوج. هنا تصلح ما كسرته، وتعيد تركيب ما فككته، وتشطب ما كتبته خطأ. الورشة تشتغل ليل نهار. كل كلمة تدخلها، وكل نظرة، وكل قرار. تعرض على المخطط الأصلي. إن طابقته مرت، وإن خالفته صدر صوت الإنذار. ذلك الوخز الذي يسميه الناس تأنيباً هو في الحقيقة صوت المهندس وهو يصرخ: المخطط يقول غير هذا.
لا نجاة للإنسانية إلا إذا عاد المهندس إلى الورشة، وفتح الكتالوج، وبدأ العمل من جديد. لا نجاة إلا إذا قرأ العقل ما في القلب، ونفذه الضمير في ساحة الحياة.
الكتالوج في صدرك، والمهندس في رأسك، والورشة هي عمرك. إن اتفق الثلاثة صرت إنساناً ناضجًا.