النهار

١٠ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ مارس-٢٠٢٦       37840

بقلم - د. طارق بن محمد بن يحيى بن حزام

ليست اللغة العربية في المملكة العربية السعودية مجرد وسيلة للتخاطب، بل هي روح الهوية وذاكرة التاريخ ووعاء الحضارة. فهي اللسان الذي نزل به القرآن الكريم، والجسر الذي تعبر من خلاله القيم والثقافة والانتماء. ومنذ قيام هذه الدولة على أسسها الراسخة، كانت العربية في صدارة العناية والرعاية؛ لأنها تمثل أحد أعمدة السيادة الثقافية، وعنوان الانتماء العربي والإسلامي للمملكة.

وقد تجلّى هذا المعنى بوضوح في المادة الأولى من النظام الأساسي للحكم، التي نصّت على أن المملكة دولة عربية إسلامية، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولغتها هي اللغة العربية؛ ليكون ذلك إعلانًا صريحًا بأن العربية جزء أصيل من كيان الدولة وهويتها.

ولم يكن هذا التأكيد طارئًا في تاريخ المملكة، بل هو امتداد لرؤية المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – حين أعلن عام 1351هـ توحيد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية، ليكون الوصف العربي جزءًا من اسم الدولة وهويتها الجامعة، ودلالة على عمق انتمائها الحضاري والثقافي.

ومنذ ذلك الحين توالت الأنظمة والقرارات التي تعزز حضور اللغة العربية في الحياة العامة؛ فجُعل إتقانها شرطًا لمنح الجنسية، وأُلزمت المؤسسات والشركات باستخدامها في مراسلاتها الرسمية، كما أكدت الأوامر السامية ضرورة الالتزام بقواعدها في العقود والاتفاقيات والوثائق الرسمية، لتظل العربية حاضرة في المشهد الإداري والقانوني حضورًا يليق بمكانتها.

ولم تقف العناية بالعربية عند حدود التشريع، بل امتدت إلى المبادرات والمشروعات الثقافية والعلمية التي تهدف إلى تمكينها وتعزيز حضورها محليًا وعالميًا. وقد شهدت المملكة صدور مئات القرارات التي تدعم استخدام اللغة العربية في مجالات التعليم والإعلام والعمل والتجارة والقضاء، في رؤية تؤكد أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل ركيزة من ركائز الأمن الثقافي والهوية الحضارية.

وفي هذا الإطار تتأسس السياسة الوطنية للغة العربية على جملة من المعاني الكبرى؛ فاللغة سيادة لأنها توحّد اللسان وتجمع الوجدان، وهي استقلال لأنها تمنح الأمة خصوصيتها وتميزها، وهي أمن ثقافي لأنها تحفظ الهوية من الذوبان، كما أنها الوعاء الذي تتشكل فيه ملامح الوعي لدى الأجيال منذ الطفولة.

ومن هنا تسعى المملكة إلى ترسيخ حضور العربية في التعليم والبحث العلمي والإعلام والمشهد العام، وفي مجالات الأعمال والتواصل الدولي، مع تعزيز مكانتها في الأنشطة الثقافية والفنية؛ لتبقى العربية حيّة فاعلة في حياة المجتمع، وتظل المملكة موطنها الأول ومرجعيتها العالمية.

وهكذا تبقى اللغة العربية في المملكة العربية السعودية أكثر من مجرد وسيلة للتعبير؛ فهي هوية نابضة، وذاكرة حضارة، وجسر يصل الماضي العريق بالحاضر المتجدد والمستقبل الطموح. وفي ظل العناية المتواصلة بها تشريعًا ومؤسسةً ومبادرةً، تؤكد المملكة رسالتها الحضارية بوصفها موطن العربية الأول وحاضنة إرثها الثقافي واللغوي.