صور قديمة
بقلم:محمد جبران
قلت لصديقي: لخمسين عاما مضت، كانت أفواهنا جياع، لكن بيوتنا مشرعة؛ للغرباء والريح والمطر.
قال: وما الذي حصل ؟
قلت: نزعنا أثوابنا المشبعة برائحة الأمهات، ووضعناها تحت عتبات الأبواب العتيقة، وهربنا بأجساد عارية إلى مدن البحر.
قال: وتركتم المطر!
قلت له : وهل تريدنا - يا صاحبي - أن نعود للوراء، نرعى البقر!
نحن هنا في بلاد النور والسهر.. لانشتهي المطر!
-في الماضي يا صديقي، لم يكن للتعب والألم نهاية، لكنه كان يحمل في داخله مسراته الساحرة، فصرير رياح الشتاء ورذاذ المطر المتسلل في سواد الليل كان يرهب القلوب، إلا أنها بداية البشارة بحلول الخير ومواسم الحصاد. كانت تُفتح الأبواب فيفوح من خشبها رائحة مطر المساء، فتشرق الوجوه فرحا وكأنما خلقت الدنيا لها.
لقد مر عشرات السنين، ظلت خلالها ذاكرتي حارسة لهوية الأمس البعيد، لم يفلت من شباكها؛ شكل الرياح وهي تعصف بسنابل القمح الخضراء قبل اكتمال نموها، والمساريب الحجرية الضيقه المزدحمة بحركة الرجال والنساء، وبدفء أصواف الأغنام العائدة من مراعيها، والجو المشبع بثغائها.
كانت دهشة الطفولة، ترى بياض الغمام وهو يهبط من السماء، وكأن الملائكة تحمله، فتدفعه الرياح ناعما كالحرير، ليسير خلسة في الطرقات، بين البيوت، يطرق الأبواب، يصافح الوجوه.. تصاحبه ترنيمة الرعد الخالدة.
لم أنس أبدا ذلك الاحساس اللاذع؛ وأنا أشاهد ثمر الشجرة التي ما أن تسقط حتى تلتهما الأفوه الجائعة، وصراخ الأطفال الجَوْعى وهم يجرون خلف أُمهم الذابلة والمنهكة.
استقر ياصديقي في سراديب الحنين، صورة الدخان الذي يتنفس من جدران البيوت، ويتلوى صاعدا إلى الفضاء، وبقايا غروب الشمس الخافت يزين قمم الجبال وأسطح المنازل كإكليل ورد، والسحابة البيضاء المغادرة دوما إلى الشمال، ولسعة الهواء البارد التي تنكمش منها الأجساد، وتُحرك رائحة الأعلاف المعجونة بطين الأرض، وصوت أذان المغرب.. غناء الروح الأبدي.
تلك التفاصيل يا صديقي، ما زال يتردد صداها في ذاكرتي فأتحامل على نفسي كي استجمع ما تناثر من صور عبث بروحها الزمان، فتقسو على الجراح حينما اتذكر المفقودين الذين التصقت أرواحهم بالأرض قبل أجسادهم.. ذهبوا بتاريخهم وأغلقنا الأبواب من بعدهم فليس بيننا من ينتظر مواسم الحصاد.