النهار

١٨ سبتمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ سبتمبر-٢٠٢٥       15180

بقلم : محمد جبران
أطلّ الصباح، وما زلت جالسًا على الكرسي المعدني، محاطًا بالممرات الفارغة ورائحة المعقّمات الثقيلة. عقارب الساعة تتحرك ببطء، لا تقيس الوقت بدقة، بل تضاعف رجفات الحُمّى.
وصلت الممرضة أخيرًا، حرّكت الأوراق على الطاولة؛ يبدو أنها تريد إعادة ترتيب الزمن. رنين أساورها كسر وحشة المكان. وضعت ضماد جهاز الضغط على ذراعي، وأحاطت يدي بأصابعها اللينة، ارتعد جسدي برهبة الافتقاد. كم كنت محتاجًا لهذا الحنو.
همست بابتسامة:
– لا تقلق… كلّ شيء على ما يرام.
لم تكن انحناءة شفتيها مجرد تهدئة لوجعي، بل مرآة لضعفي وهشاشتي. اكتفيتُ بإيماءة صامتة، ثم نهضتُ إلى غرفة الطبيب. غادرت لاحقًا، لكن أثر يدها ظلّ يقظًا في ذاكرتي طوال الليل.
في اليوم التالي، عدتُ إلى العيادة، لا أدري إن كان ذلك لحضور الموعد أم للبحث عن تلك اللمسة التي أحيت طمأنينة منسية داخلي، شعور لم أستطع تجاوزه.
اتخذت المقعد ذاته، وبقيت أترقّب حضورها، وسط حركة المرضى وضوضاء الأجهزة. ظهرت بين الأصوات والوجوه، تحمل ملفات كثيرة. كانت تضغط عليها بقوة، ربما لكبح فوضى الازدحام. مرّت بجواري مسرعة. حيّيتها بكلمات متلعثمة؛ أدارت رأسها ناحيتي وتوقفت لثوانٍ، لمحت وميضًا أزرق باردًا في عينيها. تجمّدت في مكاني. بعد قليل، صدر أزيز خفيف أعاد تحريكها، ثم تابعت طريقها.