بقلم- محمد جبران
لم يعد الطريق يعني لها الكثير، إلا حين وقفت ذلك اليوم عند الزاوية التي اعتادت أن تراه فيها قبل عشرين عامًا.
كانت في السابعة عشرة حينها، وهو طالبٌ يستعد للسفر، كانا يلتقيان كل مساء عند الجدران الحجرية، بين رائحة القهوة وأصوات المارة.
لم يقولا الكثير؛ يكفي أن يمشي بجانبها، أن يسبقها بخطوةٍ ثم ينتظرها، أن تلمح ابتسامته حين تزيح نسمة المساء خصلةً من شعرها.
في آخر لقاء، قال لها وهو يشيّعها بنظرةٍ طويلة:
سأسافر، وأعود قريبًا. رأت في عينيه وداعًا لم تقوَ الكلمات على الإفصاح به.
مرت السنوات… تغيّر الممر القديم، تهدّمت الجدران، ونبتت بيوت بألوانٍ لم تعرفها القرية من قبل. لكنها، وحدها، بقيت كما كانت.
وفي ليلةٍ خريفيةٍ باردة، هبّت ريحٌ عبر نافذتها، تحمل شيئًا من صوته، أيقظت الحنين.
جلست تُنصت إلى صمتها، وروحها تفتّش عن كلماتٍ ضاعت منذ زمن.
سحبت ورقةً قديمة من بين دفاترها، وكتبت تخاطب طيفه الذي لم يغادرها:
ما زالت روحي تنبض بالحب، لكن،
أين النصف الثاني للقلب؟
أين الطرقات الحجرية والبرد؟
أين الثغر الباسم وأنفاس الورد؟
أين أبخرة القهوة والخبز الحاف؟
من يفهم كلماتي؟ من يسمع آهاتي؟
من ينسج على قطرات الماء أحلامي؟
إيه… يا أنت… أيقظني من أوهامي!
أجبني… أين؟ ومن؟
أعادت الورقة إلى مكانها، في مأمنٍ من النسيان، ثم تركت النافذة مفتوحة… للريح، والاحتمال.