النهار

٢٩ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ نوفمبر-٢٠٢٥       10670

بقلم - محمد جبران 

في زمن القرية البعيد، كان الليل يهبط بثقله فوق البيوت، وتبتلع الغيوم السوداء ما تبقى من ضوء النجوم. يخيم السكون، لا يوقظه إلا رجفة رعد مفاجئة، أو طرقات المطر على الأواني الفارغة الموضوعة لحماية أرضية الدار.
نصحو مع أول خيوط الفجر الشاحب. نلتف حول نار المَلَّه، نُنصت لطقطقة الخشب المتّقد، نقرّب أيدينا الباردة من إبريق الشاي المغروس في الرماد الدافئ، ومن قدر القراص الرابض فوق الجمر.
نفتح باب البيت، نترك خلفنا الدفء ونستقبل الهواء القارس. نتنفس برودته الأولى، ثم نمشي بخطوات صغيرة نحو المدرسة، نرفع رؤوسنا تارة نحو السماء وتهبط تارة نحو الأرض. تبهرنا زهور اللوز البيضاء المتشابكة مع الغيم، ويشدّنا هدير السيل في الوديان، وتلتقط أذاننا ثغاء الأغنام خلف أسوارها الحجرية. يلسع الرذاذ البارد وجوهنا، فنشد أطراف عمائمنا ونمسح أنوفنا بأكمام الثياب اليابسة.
وفي الطريق، نلتقي أطفال القرية بحقائبهم المهترئة وأحذيتهم المبلّلة. نسير معهم فوق الحصى الزلِق والأغصان المكسورة. يركل مشاغب حفرة ماء ضحلة فتتناثر علينا قطرات ثلجية، بينما ينحني آخر ليلتقط ورقة شجرة ملتصقة بالأرض، يرفعها بعناية ثم يرميها فوق حقيبة أحدنا وهو يطلق ضحكات قصيرة. كانت أجواء القرية تتقلّب بين رمادي قاتم وأخضر باهت يطلّ من أطراف الحقول. تمر تغريدة طير وحيد يرافقنا صوته كل صباح من تجاويف الوادي، وتتمازج مع وقع خطواتنا وثرثراتنا الحادّة التي لا تتوقف.
وعندما نصل المدرسة، ندفع الباب الحديدي للفصل، فيصدر صريرًا رتيبًا. نستقبل الجوّ نفسه ككل صباح: غبار الطباشير، ورطوبة الزوايا التي لم تستطع حرارة الشمس إزاحتها. نجلس على المقاعد الخشبية المائلة والمتشققة، نتصفح كتبنا الجديدة بفضول، نتحسس ملمسها ونشم عبقها الخفيف، ونقلب صورها الملونة بانبهار شديد.