الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ اكتوبر-٢٠٢٥       17435

بقلم  -محمد جبران
كانت البنايات تكتسي حُمرة الغروب وأنا أقف بسيارتي وسط المدينة، بعد سنوات من الغياب.
تجولت في الأزقة الضيقة، الممرات مرصوفة جيدا، لا سيارات أو غبار. وعطور التوابل ما زالت تفوح من أبواب المحال.
توقفت أمام المقهى الذي رافقني طويلا. لم يتغير شيء، سوى واجهته المطلية باللون الأبيض، ومروحة السقف المعطلة. جلست إلى طاولة تتأرجح، قريبة من الخارج، لأتذوق طعم الماضي في رائحة البحر، وفي وجوه المارة، وصخب الباعة. 
اقترب العامل وهو يمسح يديه بقطعة قماش:
– شاي حالي ولا مُرّ يا عم؟
قلت بابتسامة صغيرة:
– القليل من السكر.
سألته عندما وضع الماء أمامي عن عبده، المحاسب العجوز.
قال:
– من زمان سافر.
وهل سيعود؟
ضحك وقال:
– قد هو مات الآن.
غمرني حزن مفاجئ، ليس لفقدان الوجوه وحسب، بل لكل اللحظات التي مرّت دون أن ننتبه لها.
رأيته ساكنا على كرسيه المتهالك، لا يغادره طوال اليوم، لا زوجه، لا بيت، لا شيء غير العمل، كان أسيرا للمكان.
قطع شرودي صوت من الخلف:
– تشتري؟
– لا، شكرًا. أجبته بهدوء. لكنه اقترب يتوسل. التفت ناحيته؛ امرأة تحمل عددا من خواتم التسبيح. انتابتني رعشة حين تلاقت نظراتنا، كدت أمسك يدها، لكن الشاب الذي جاء يحمل الشاي وقف بيننا، فانسحبت سريعا.
دفعت الحساب وخرجت أتتبع أثرها بين المارة. وجدتها تجلس على رصيف منخفض. اقتربت منها بحذر، رفعت رأسها، كانت عيناها غارقتين في التعب والخوف.
قلت في خجل:
أعلم أنني لا أستحق رؤيتك مرة أخرى، لكن أرجو أن يكون في قلبك متسع للعفو، ولو لدقيقة واحدة، حتى أبريء نفسي.
لم ترد، تركتني وغادرت؛ رحيلها الصامت أخبرني أن حضوري جاء متأخرا، بعد أن خذلتها في زواج ظل نصفه تائها، والآخر ضاع في العدم.