الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ نوفمبر-٢٠٢٦       1760

بقلم-ثامر الشهراني

في السياسة، قد تكشف مقارنة مقالين ما لا يظهر عند قراءة كل منهما منفردًا. وهذا ما يستوقف القارئ في مقالَي الأمير تركي الفيصل: “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” و”قولٌ موعودٌ وفعلٌ منشودٌ”. فبين الحديث عن إعادة التوازن الاستراتيجي في المنطقة، والحديث عن حدود الصبر السعودي تجاه استفزازات الحوثيين، يبرز سؤال جوهري: كيف تُبنى القدرة على مواجهة التهديد قبل أن تفرض المواجهة نفسها؟

في مقاله الأول، ربط الفيصل اتفاقية مكة بين السعودية وتركيا وباكستان بالتحولات الإقليمية واحتمال نشوء فراغ استراتيجي تخلّفه الحروب، مؤكدًا أن قدرات الدول الثلاث تتكامل لإعادة التوازن في المنطقة. كما شدد على مشروعية التحالفات الدفاعية في مواجهة التهديدات الأمنية والعسكرية الحالية والمستقبلية. وهنا تتجاوز الاتفاقية مفهوم التعاون العسكري التقليدي، لتصبح جزءًا من قراءة أوسع لمستقبل الأمن الإقليمي وموازين القوة.

وفي مقاله الثاني، انتقل الفيصل إلى زاوية أخرى، مستعيدًا موقف الملك عبدالعزيز من الاعتداءات على الأراضي السعودية، ومؤكدًا أن تجنب إراقة الدماء لا يعني القبول بالمساس بالسيادة. ووصف صبر القيادة السعودية تجاه استفزازات الحوثيين بقوله: “لقد صبرت قيادتنا، وطال صبرها”، قبل أن يصل إلى عبارته الحاسمة: “عندما بلغ السيل الزبى”. وهي رسالة واضحة عن حدود ضبط النفس حين يصبح استمرار التهديد أمرًا لا يمكن تجاهله.

هنا تبرز نقطة الالتقاء بين المقالين: الأول يشرح أهمية بناء القدرة الدفاعية واستباق المخاطر، والثاني يؤكد أن الصبر السياسي لا يلغي حق الدولة في حماية أمنها وسيادتها. لكن هذا التقاطع لا يثبت أن اتفاقية مكة وُضعت لتنفيذ تحرك محدد في اليمن؛ بل يقدم مدخلًا لفهم مستويين متكاملين من التفكير الأمني: الاستعداد قبل الأزمة، وتحديد حدود الاستجابة عندما تتجاوز التهديدات المقبول.

وفي تصوري، فإن الأهم في كتابات الفيصل ليس افتراض وجود معلومات يخفيها، بل قراءة ما يطرحه علنًا من مؤشرات استراتيجية. فالدول لا تحمي استقرارها بالانتظار حتى تتفاقم الأزمات، ولا تحافظ على السلام بالتنازل عن أدوات حماية السيادة. إن الشراكات الدفاعية والدبلوماسية وضبط النفس ليست خيارات متعارضة، بل أدوات تتكامل حين تُدار برؤية واضحة للمصالح والمخاطر.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس ماذا يعرف تركي الفيصل ولا يقوله، بل ماذا تكشف كتاباته عن طبيعة المرحلة المقبلة: فراغ استراتيجي محتمل، وتحالفات تسعى إلى تعزيز التوازن، وصبر سياسي تحكمه اعتبارات السيادة والأمن. فهل تستطيع دول المنطقة حماية استقرارها إذا انتظرت وقوع التهديد قبل بناء أدوات الردع، أم أن السلام المستدام يحتاج إلى قوة تحميه واستعداد يمنع الآخرين من اختبار حدوده؟