بقلم- هلا الخباز
كعادتي وأنا أصاحب أرقي، أتسلّى باستحضار المخاوف المرتبطة بالمستقبل. وفي ليلتي هذه، خطر لي سؤال بسيط، لكنه أثار في داخلي قلقًا لم أكن أتوقعه: ماذا لو استيقظنا ذات صباح واكتشفنا أن إنستغرام لم يعد موجودًا؟
أين ستذهب كل تلك الصور التي وثّقنا بها أعمارنا؟ الرحلات، والوجوه التي غابت، والأماكن التي تغيّرت، واللحظات التي لم نعد نذكر تفاصيلها إلا حين تعيد إلينا صورة قديمة شيئًا من رائحتها وصوتها؟
لسنوات طويلة، اعتقدنا أننا نحفظ ذكرياتنا، لكننا في الحقيقة كنا ننقلها من خزائن بيوتنا إلى خوادم شركات لا نعرف أين تقع، ولا نملك ضمانًا أبديًا لبقائها.
وأنا التي أمضيت سنوات من عمري أحاول أن أترك أثرًا، مرةً بما أكتبه وأشاركه من معرفة، ومرةً بما أوثّقه من صور وذكريات، أرعبتني فكرة أن يصبح كل ما سعيت إلى حفظه حبيس خوادم لا أستطيع الوصول إليها، وأن ينطبق عليّ ما قاله شاعرنا محمود درويش: " تُنسى وكأنك لم تكن " .
أرعبتني الفكرة حقًا.
تحدثت مع وكيلي في الذكاء الاصطناعي عن مخاوفي، وعن الطرق التي يمكنني من خلالها الاحتفاظ بذاكرتي وإرثي الإلكتروني. وبعد سلسلة من الخطوات والإرشادات، انتهى بي الأمر إلى تصدير أرشيفي الرقمي والاحتفاظ بنسخة منه على ذاكرة خارجية.
لكنني لم أشعر بالاطمئنان الذي كنت أبحث عنه. فالذاكرة الخارجية بدورها قابلة للتلف، وقد تضيع أو تصبح غير قابلة للقراءة بعد سنوات.
وجدت نفسي أمام مفارقة غريبة: كلما تطورت وسائل الحفظ، ازدادت حاجتنا إلى وسائل أخرى لحماية ما حفظناه.
وهنا تحديدًا أغبط أمهاتنا اللواتي احتفظن بصور العائلة في ألبومات ثقيلة، ووضعن الرسائل في صناديق خشبية، وخبأن بعض الذكريات بين صفحات الكتب. كانت الصور عرضة للتلف والضياع، لكنها كانت أشياء ملموسة، نستطيع أن نمسكها بأيدينا، وأن نورثها لمن يأتي بعدنا.
أما نحن، فقد استبدلنا الصندوق بكلمة مرور، والألبوم باشتراك سحابي، وأصبح تاريخنا الشخصي موزعًا بين منصات متعددة، لا نعرف على وجه اليقين ماذا سيبقى منها بعد ثلاثين عامًا.
والمفارقة أننا ربما أصبحنا الجيل الأكثر توثيقًا لحياته، لكن هل سنكون الأكثر قدرة على الاحتفاظ بذاكرته؟
ليس السؤال هنا عن التكنولوجيا بوصفها عدوًا للذاكرة؛ فهي منحتنا إمكانات هائلة للحفظ والاستعادة والمشاركة، بل عن ذلك الاطمئنان المفرط الذي جعلنا نخلط بين سهولة الوصول إلى ذكرياتنا والقدرة الفعلية على صونها.
والحقيقة أن هذا القلق ليس مجرد مبالغة شخصية.
فمنذ عام 2003، حذّرت منظمة اليونسكو، في ميثاقها بشأن صون التراث الرقمي، من خطر ضياع المواد الرقمية نتيجة تقادم الأجهزة والبرمجيات، وغياب الضمانات الكافية لاستمرار حفظها وإتاحتها.
توقفت عند هذه الحقيقة طويلًا. فإذا كانت المؤسسات الكبرى تخشى على التراث الإنساني الرقمي من الضياع، فماذا عن أرشيف فرد واحد؟ عن الصور التي لا تهم أحدًا سوانا، والرسائل التي لا تحمل قيمة تاريخية عامة، لكنها تختصر بالنسبة إلينا حياة كاملة؟
ومع ذلك، لا أريد أن أنتهي إلى الحنين السهل إلى زمن الورق، ولا إلى الدعوة للتخلي عن التكنولوجيا. فكم من صورة قديمة ضاعت، وكم من رسالة أتلفها الزمن، وكم من ذاكرة عائلية اندثرت لأنها لم تُوثّق أصلًا.
ربما تكمن المشكلة في أننا تعاملنا مع الحفظ الرقمي كما لو كان ضمانًا للخلود، بينما هو في الحقيقة يحتاج إلى عناية ومراجعة وانتقال مستمر من وسيط إلى آخر.
ولعل الأهم من ذلك كله أن نسأل أنفسنا: ماذا نريد أن يبقى منا فعلًا؟
هل نريد أن نورّث آلاف الصور التي قد لا يعرف أحد قصصها؟ أم نريد أن نترك أثرًا يمكن فهمه، وحكايات تحمل شيئًا من أصواتنا وأفكارنا ومشاعرنا؟
فليس كل ما يُحفظ يُورَّث، وليس كل ما يُورَّث يبقى مفهومًا لمن يأتي بعدنا.
الصورة التي لا يعرف أحد مناسبتها قد تصبح بعد أجيال مجرد وجوه مجهولة، والنص الذي لا يجد من يقرؤه قد يبقى محفوظًا دون أن يترك أثرًا، ربما لا تكون قيمة الذاكرة في قدرتنا على الاحتفاظ بكل شيء، بل في قدرتنا على منح ما نحتفظ به معنى يستحق أن ينتقل إلى الآخرين.
وربما علينا، ونحن نسابق الزمن لتوثيق أعمارنا، أن نتذكر أن الذاكرة ليست ما ننجح في تخزينه فحسب، بل ما ننجح في إبقائه حيًا في وجدان من يأتي بعدنا.