الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ نوفمبر-٢٠٢٦       495

بقلم- د. غالب محمد طه
في سوق عكاظ، لم يكن الشاعر العربي يحمل قصيدته وحدها، وإنما كان يحمل معها اسم قبيلته وشيئًا من تاريخها ومفاخرها. وربما انتقلت أبياته إلى أماكن لم تطأها قدماه، فعرف الناس من خلالها قومًا لم يلتقوا بهم. ومنذ ذلك الزمن، ظل للشعراء نصيب في شهرة الأماكن التي عاشوا فيها، حتى اقترنت أسماء بعض المدن بشعرائها وأدبائها. فالمدن تُعرف بمثقفيها وشعرائها أيضًا.
ولأنني أحببت حفر الباطن، المدينة التي أقيم فيها، فقد وجدت نفسي أبحث عن أسمائها بقدر ما أبحث عن تاريخها. وحين كنت أؤلف كتابي «حفر الباطن: جوهرة الصحراء وعاصمة الربيع»، شغلتني الشخصيات التي تركت أثرًا في حياتها، والشعراء والمثقفون الذين ارتبطت تجاربهم بها. كنت أريد أن أعرف المدينة من خلال أهلها، وأن أتعرف إلى أولئك الذين أسهموا في تشكيل ذاكرتها.
وأذكر أنني توقفت في الكتاب عند سؤال: من الذي يستحق أن نسميه «شاعر حفر الباطن»؟ هل هو الذي وُلد فيها وحده، أم الذي عاش بين أهلها وتشكلت تجربته الشعرية في بيئتها؟
كتبت يومها أن الانتماء الثقافي إلى المدينة لا تحدده شهادة الميلاد وحدها، وأن من استوطنها وأصبح صوته جزءًا من مشهدها الأدبي يستحق أن يُذكر بين شعرائها. وأوضحت أن الأسماء التي استطعت توثيقها لم تكن قائمة حصرية، وأن هناك شعراء ربما لم تصل إليّ أعمالهم أو سيرهم.
عادت إليّ تلك الصفحات يوم الأحد، الأول من نوفمبر 2026، حين قرأت خبر رحيل الشاعر عبدالله بن علي المويس المطيري، رحمه الله، والصلاة عليه في جامع الشريع بحفر الباطن.
كان الخبر قصيرًا، كحال أخبار الرحيل التي تختصر حياة إنسان في بضعة أسطر. لكن وراء اسم الشاعر سنوات من التجربة، وقصائد خرجت من صاحبها إلى أصوات المنشدين ومجالس محبي الشعر. وجدتني أبحث عنه، وأتتبع ما بقي من كلماته، وأتساءل كيف يمكن أن نعرف شاعرًا بعد رحيله من خلال ما تركه.
وجدت اسم عبدالله المويس في أرشيف موقع الأمير الشاعر عبد العزيز بن سعود بن محمد آل سعود، ضمن مادة تعود إلى عام 1428هـ، ووجدت قناة تحمل اسمه تضم أعمالًا شعرية مسجلة، إلى جانب لقاء معه. ومن بين تلك الأعمال «دار السعود» و«المرجلة» و«الهقاوي»، وهي عناوين تفتح بابًا للتعرف إلى موضوعات شعره واهتماماته.
استوقفتني خصوصًا قصيدته الوطنية «دار السعود»، وفي نص وصلني من تفريغها هذا المطلع:
المملكة تاج على الراس ينشال
دار السعود أهل الكرم والشهامة
صورتان بسيطتان في ألفاظهما، واضحتان في معناهما؛ فالمملكة تاج يرفعه الشاعر على رأسه اعتزازًا، والدار ترتبط بالكرم والشهامة. وتمضي القصيدة في محبة الوطن والاعتزاز بقيادته، بلغة مألوفة لدى متذوقي الشعر النبطي، بما فيها من فخر واعتداد ووفاء. وهي جانب من تجربة الشاعر، تستحق أن نقرأ إلى جوارها قصائده الأخرى، حتى نعرف عالمه الشعري على نحو أوسع.
وللشعر النبطي مكانة يعرفها من عاش مجالس أهل الجزيرة العربية. فقد يحفظ المرء بيتًا سمعه قبل عشرين عامًا، ويستعيده في موقف من حياته، وربما ردد قصيدة لا يعرف الكثير عن صاحبها. وبعض القصائد تعيش طويلًا في أصوات الآخرين، حتى يصبح لها حضور يتجاوز حياة من كتبها.
وأثناء البحث عن شعر عبدالله المويس، لاحظت أن الوصول إلى بعض تسجيلاته كان أيسر من العثور على نصوص مكتوبة يمكن الاطمئنان إلى دقة ألفاظها وصحة نسبتها إليه. وهذا ما جعلني أتمنى أن أجد ديوانًا يجمع شعره، أو سيرة تروي بداياته ومشاركاته ومجالسه الشعرية. ولعل لدى أسرته وأصدقائه ومحبي شعره من التسجيلات والمخطوطات والحكايات ما يساعد على حفظ تجربته، ويتيح لمن لم يعاصره فرصة التعرف إليه.
ولا يحتاج إنصاف الشاعر بعد رحيله إلى المبالغة في وصفه أو إغداق الألقاب عليه. يكفي أن نقرأ شعره، وأن نستمع إلى من عرفوه، وأن نترك كلماته تتحدث عن صاحبها. فليس كل شاعر في حاجة إلى من يكتب عنه قصيدة مديح؛ بعض الشعراء يحتاجون إلى من يحفظ قصائدهم.
وأنا أتأمل رحيل عبدالله المويس، عادت إليّ أسماء أخرى من حفر الباطن، بعضها عرفته أثناء البحث لكتابي، وبعضها ما زالت سيرته تستحق أن تُروى. وأفكر في أولئك الذين يعيشون بيننا، من شعراء وأدباء وأصحاب تجارب طويلة، ونؤجل الحديث إليهم بحجة انشغالاتنا، ثم نفاجأ ذات يوم بأن الفرصة قد فاتت. كم من حكاية كان يمكن أن نسمعها لو وجدنا الوقت لنسأل أصحابها؟
لقد وجدت في حفر الباطن، خلال سنوات إقامتي فيها، ما جعلني أشعر أن لهذه المدينة حكايات أكثر مما تتسع له الكتب. فهناك تاريخ محفوظ في الوثائق، وآخر يعيش في ذاكرة الناس، بين المجالس والقصائد والقصص التي يتناقلونها. وفي كل مرة نبحث فيها عن أحد أصحاب هذه الحكايات، نكتشف كم بقي مما لم نعرفه بعد.
رحم الله الشاعر عبدالله بن علي المويس المطيري، وغفر له، وأحسن عزاء أسرته وذويه ومحبيه.
وأرجو أن تجد قصائده من يجمعها ويحفظها، وأن يتعرف من يأتي بعدنا إلى شيء من تجربته، كما نتعرف نحن اليوم إلى شعراء رحلوا منذ زمن بعيد وبقيت كلماتهم بيننا.
لم يبدأ اسم عبدالله المويس يوم رحيله، وأرجو ألا ينتهي عند ذلك اليوم.