بقلم ـ المستشار سعود عقل
ليست الأوطان العظيمة تلك التي تتحدث طويلًا عن تاريخها، بل تلك التي تجعل من تاريخها قوةً تصنع بها مستقبلها.
وفي اليوم الوطني السعودي الـ96، لا نحتفل بذكرى توحيد وطن فحسب، بل بقصة دولة استطاعت خلال أقل من قرن أن تنتقل من تحديات التأسيس إلى طموحات المنافسة، وأن تجعل من الاستقرار قاعدةً للتنمية، ومن الإنسان محورًا للبناء، ومن الطموح مشروعًا للمستقبل.
حين أعلن الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- توحيد المملكة العربية السعودية، لم يكن يؤسس حدود دولة فقط، بل كان يؤسس لفكرة وطن: أمن بعد تفرق، ووحدة بعد شتات، ودولة تقوم مؤسساتها على أرض واحدة وتحت راية واحدة.
ومضت المسيرة.واليوم، ونحن نعيش عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تقف المملكة أمام مرحلة مختلفة من تاريخها؛ مرحلة لا تكتفي بالحفاظ على ما تحقق، وإنما تسعى إلى صناعة ما لم يتحقق بعد.
وهنا تكمن أهمية التحول الذي تشهده المملكة في ظل رؤية السعودية 2030؛ فالقضية لم تعد مجرد مشروعات ضخمة أو مؤشرات اقتصادية، بل تحوّل في مفهوم التنمية ذاته. اقتصاد أكثر تنوعًا، ومدن تتغير، وقطاعات جديدة تنمو، وشباب يجد أمامه مساحات أوسع للعمل والابتكار وريادة الأعمال، وحضور سعودي يتسع في الاقتصاد والسياسة والتقنية والثقافة والرياضة والسياحة.
لكن أجمل ما في قصة السعودية أنها لم تبنِ طموحها على القطيعة مع ماضيها.
فهي تمضي إلى المستقبل وهي متمسكة بهويتها، ومعتزة بقيمها، ومدركة أن الحداثة الحقيقية لا تعني أن يتخلى المجتمع عن جذوره، بل أن يمتلك الثقة الكافية ليصنع مستقبله دون أن يفقد ذاته.
وفي اليوم الوطني، ربما يكون السؤال الأهم ليس: ماذا قدم لنا الوطن؟
بل: ماذا قدمنا نحن للوطن؟
فالوطنية ليست علمًا نرفعه، ولا عبارة نكتبها، ولا احتفالًا ينتهي بانتهاء المناسبة. الوطنية أن يتقن الموظف عمله، وأن يحفظ المسؤول الأمانة، وأن يحترم الإنسان النظام، وأن يصون المال العام، وأن يواجه المجتمع الإشاعة والتعصب والفساد، وأن يدرك كل فرد أن نجاح الوطن يبدأ أيضًا من مسؤوليته الشخصية.
الوطن لا يُبنى بالقرارات والمشروعات وحدها؛ بل يبنى بوعي أبنائه، وبنزاهتهم، وبإتقانهم، وبشعورهم بأن ما يتحقق على هذه الأرض مسؤوليتهم كما هو مصدر فخرهم.
ستة وتسعون عامًا مضت منذ إعلان توحيد المملكة، تغير خلالها الكثير، لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا: وطن يعرف ماذا يريد، وشعب يؤمن بوطنه.
ولذلك فإن أجمل احتفاء باليوم الوطني ليس أن نقول للعالم ماذا أنجزت السعودية فحسب، بل أن نجعل العالم يرى ماذا ستنجز السعودية بعد.
فالأمم الكبيرة لا تعيش على أمجادها، وإنما تصنع أمجادًا جديدة.
وفي اليوم الوطني الـ96، لا نحتفل بوطن أكمل مسيرته، بل بوطن ما زال في أول الطريق إلى طموح أكبر.