بقلم - عبدالرحمن عبدالله الريفي
لا تُقاس الأوطان الكبيرة بما تقوله عن نفسها، بل بما تتركه من أثرٍ في حياة أبنائها، وبما تفرضه من حضورٍ في محيطها والعالم. والسعودية لم تجعل يومًا من ضجيج خصومها معركتها الكبرى؛ لأنها تعرف أن الوقت الذي يُستهلك في الردود، أولى أن يُستثمر في البناء.
ولهذا؛ فإن من يحاول أن يقرأ المملكة من نافذة حملات التشويه، يخطئ قراءة وطنٍ أكبر من ضجيج العابرين. فالسعودية لا تُدار بردة فعل، ولا تُستدرج إلى معارك هامشية؛ إنها تمضي في مشروعها بثقة، وتترك للإنجاز أن يقول كلمته.
منذ أن وحّد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيّب الله ثراه، هذه البلاد تحت راية التوحيد، والمملكة تشق طريقها بإيمانٍ لا يتزعزع، ووحدةٍ لا تنكسر، وقيادةٍ تدرك أن بناء الدولة مسؤوليةٌ لا تعرف التوقف. وقد تعاقبت عليها عواصف وتحديات، لكنها لم تزدها إلا رسوخًا؛ لأنها دولةٌ تعرف من أين بدأت، وإلى أين تمضي.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله، تحوّل الطموح إلى رؤية، والرؤية إلى برامج، والبرامج إلى واقعٍ يراه المواطن في اقتصاده ومدينته وسكنه وخدماته ومستقبل أبنائه.
فلم يعد الاقتصاد السعودي يُقرأ بميزان النفط وحده؛ إذ بلغت مساهمة الأنشطة غير النفطية 55% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2025. وهذه ليست نسبةً عابرة، بل دليلٌ على اقتصادٍ يوسّع مصادر قوته، ويفتح أبوابًا جديدة للصناعة والتعدين والسياحة والتقنية والخدمات اللوجستية. إنها دولةٌ لا تكتفي بما وهبها الله من موارد، بل تصنع موارد الغد بعقول أبنائها وطموحهم.
وفي السكن، يظهر الإنجاز حين يتحول إلى أمنٍ للأسرة واستقرارٍ للمجتمع. فقد ارتفعت نسبة تملّك الأسر السعودية إلى 66.24% بنهاية عام 2025، بعد أن كانت 47% في عام 2016، وتجاوز عدد المستفيدين من برامج الدعم السكني مليون مستفيد. فالسكن ليس جدرانًا وأرقامًا؛ إنه بيتٌ يحتضن أسرة، واستقرارٌ يطمئن إليه أبٌ وأم، وبدايةٌ كريمة لشابٍ يرسم مستقبله.
وفي التحول الرقمي، بلغت المملكة المرتبة السادسة عالميًا في مؤشر تطوير الحكومة الإلكترونية للأمم المتحدة، والرابعة في مؤشر الخدمات الرقمية. وهذه المكانة لا تعني ترتيبًا دوليًا فحسب؛ بل تعني حكومةً تصل إلى المواطن قبل أن يصل إليها، وخدماتٍ تختصر الوقت والجهد، ودولةً تفهم أن احترام وقت الإنسان جزءٌ من احترام كرامته.
أما في خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، فتكتب المملكة صفحةً لا تشبهها فيها دولة. ففي عام 2025 استقبلت أكثر من 19.5 مليون حاجٍّ ومعتمر من خارج المملكة، وبلغت نسبة رضا الحجاج 91%، ورضا المعتمرين 94%. وخلف هذه الأرقام منظومةٌ ضخمة تعمل في صمت، غايتها أن يؤدي ضيف الرحمن نسكه في أمنٍ وطمأنينةٍ وكرامة. وذلك شرفٌ حملته هذه البلاد قيادةً وشعبًا، قبل أن يكون مسؤوليةً إدارية.
ولا تقف رسالة السعودية عند حدودها؛ فحيث تحل الكارثة، وحيث يشتد الجوع أو النزوح أو الألم، تمتد يد المملكة بالإغاثة والعون. وفي مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية صورةٌ صادقة لوطنٍ يجمع بين قوة الدولة ورحمة الإنسان؛ يبني في الداخل، ويغيث في الخارج، ويحمل إلى العالم رسالة الإسلام السمحة: عطاءٌ بلا منّة، وإنسانيةٌ بلا ضجيج.
ويبقى التلاحم بين القيادة والشعب أعظم حصون المملكة وأقوى مصادر قوتها. فالولاء ليس شعارًا يُرفع في مناسبة، بل عملٌ يُؤدى كل يوم: في إخلاص الموظف، واجتهاد الطالب، وإبداع الباحث، وعطاء المتطوع، ويقظة رجل الأمن، وثبات الجندي على حدود الوطن.
ومن هنا، فإن أبلغ جوابٍ على من ينتقص المملكة ليس الخصومة، بل مزيدٌ من البناء. والنقد المنصف محل تقدير؛ لأنه يعين على الإصلاح، أما التزييف المتعمد فلا يصمد أمام واقعٍ يلمسه المواطن، ومؤشراتٍ تشهد بها المؤسسات، ومنجزاتٍ لا تخطئها العين.
السعودية لا تدّعي أن طريقها انتهى؛ فالطموح أكبر، والتحديات قائمة، والعمل لا يتوقف. لكنها تمضي بثقة الواثق بالله، وبحكمة القيادة، وبسواعد شعبٍ يعرف أن وطنه ليس مجرد أرضٍ يسكنها، بل عزٌّ يحمله، وتاريخٌ يصونه، ومستقبلٌ يصنعه.
السعودية لا تجيب على الضجيج بالضجيج؛ بل تجيب عليه بإنجازٍ جديد، وبخطوةٍ أبعد، وبوطنٍ يزداد قوةً كلما ظنّ المتربصون أنه سيتوقف.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها ووحدتها ورفعتها، وحفظ خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، وأبقى بين القيادة والشعب عهدَ الولاء والعمل والبناء.