الكاتب : النهار
التاريخ: ٣١ اكتوبر-٢٠٢٦       9405

بقلم : سلطان عايض العتيبي

من يراقب ما يجري في منطقتنا اليوم، يدرك أننا أمام أزمة تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، إلى صراع تتداخل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، والتقنية مع الأمن، والقرار السياسي مع القدرة على التحكم في مسار الأحداث. فالحرب لم تعد تُقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال، بل بما يمكن أن تتركه من أثر على إمدادات الطاقة، والممرات البحرية، والبنية التحتية، وحتى ثقة المستثمرين في مستقبل المنطقة. وما يحدث في البيئة اﻻقليمية وتوسع التوترات ، يكشف أن الصراع لم يعد محصورًا بين مضيق هرمز من جهة وباب المندب والبحر اﻻحمر من جهة اخرى . فتعطيل ممر بحري قد يضغط على أسواق عالمية، واستهداف منشأة حيوية قد يفرض حسابات اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود الدول في اﻻقليم . لكن ما يستوقفني في هذه الأزمة ليس اتساع الحدود الجغرافية فقط، بل التغير الذي بدأ يطرأ على طبيعة القوة نفسها. لسنوات طويلة، ارتبط التفوق الاستراتيجي بحجم القدرات العسكرية، والتسليح، والسيطرة على المواقع الحيوية. واليوم، لم تعد هذه العناصر وحدها كافية لفهم موازين القوة وطبيعتها . فهناك عنصر يتقدم بسرعة إلى قلب المعادلة، وهو القدرة على جمع المعلومات وتحليلها وربطها وتحويلها إلى قرار في الوقت المناسب. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي، ليس بوصفه تقنية جديدة تضاف إلى أدوات القوة الوطنية ، بل باعتباره أحد العوامل التي قد تعيد تشكيل طريقة إدارة الازمات والتعامل مع تداعياتها. في الأزمة الحالية، تتدفق كميات هائلة من المعلومات من الأقمار الصناعية، وحركة الملاحة، وأسواق الطاقة، والمنصات الإعلامية، والمؤشرات الاقتصادية. والتحدي لم يعد في الحصول على المعلومة وحدها، بل في التمييز بين ما يستحق الانتباه وما يمثل مجرد ضجيج، وفي فهم العلاقة بين حدث أمني محدود وتداعيات اقتصادية أو سياسية قد تكون أشمل بكثير. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في هذه المهمة، من خلال تحليل الأنماط، واكتشاف المؤشرات الحديثة ، واختبار سيناريوهات التصعيد والتهدئة. لكنه لا يستطيع أن يحسم وحده النوايا السياسية أو يتنبأ بقرارات الدول على نحو يقيني. وهذه نقطة مهمة؛ لأن الاعتماد عليها بشكل كامل واستبعاد العنصر البشري أثناء الأزمات قد يكون خطرًا لا يقل عن تجاهلها. وأعتقد أن أحد أهم التحولات التي تكشفها الأزمة هو أن الزمن أصبح عاملًا أكثر حساسية في الحسابات الاستراتيجية. فالفارق بين اكتشاف التهديد مبكرًا والتعامل معه بعد وقوعه قد ينعكس على تقديرات الخسائر، وعلى الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام صانع القرار. ومن هنا تبرز أهمية الذكاء الاصطناعي في الأمن الوطني للدول بمفهومه الواسع، الذي لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشمل الأمن الاقتصادي، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية، واستمرارية الخدمات الحيوية. وفي خضم هذه التحولات، تبرز المملكة العربية السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي وموقعها المؤثر في معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي. فالمملكة لا تنظر إلى الأزمات المحيطة بها من زاوية تداعياتها المباشرة فحسب، بل تتعامل معها في إطار أوسع يجمع بين حماية المصالح الوطنية، والمحافظة على الاستقرار الإقليمي، واستمرار مسيرتها التنموية. وهي معادلة تتطلب قراءة دقيقة لموازين القوى، وإدراكًا لطبيعة التهديدات، وقدرة على التعامل مع المتغيرات دون أن تفقد الدولة وضوح أولوياتها الاستراتيجية. وما يميز التجربة السعودية أن بناء القوة الوطنية لم يعد محصورًا في أبعادها التقليدية، بل امتد إلى الاقتصاد والتقنية والقدرات البشرية. فالاستثمار في البيانات والذكاء الاصطناعي، ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية امتلاك أدوات المستقبل. ومن هنا، فإن توظيف هذه القدرات في تحليل الأزمات الجيوسياسية، وتقدير انعكاساتها على أمن الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد، يمثل امتدادًا طبيعيًا لهذا التوجه، ويضيف بعدًا جديدًا إلى أدوات القوة الوطنية الشاملة. .وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو أن الذكاء الاصطناعي نفسه أصبح جزءًا من حسابات الأمن الإقليمي. فمراكز البيانات، وشبكات الاتصال، والبنية الرقمية، لم تعد مجرد مرافق تقنية تخدم الاقتصاد، بل أصولًا حيوية تتطلب الحماية والاستمرارية. ومع تنامي الاعتماد على هذه البنية في مختلف القطاعات، أصبحت حمايتها جزءًا من متطلبات الأمن الوطني، لا سيما في أوقات الأزمات والصراعات. وهذا يقودنا إلى سؤال أراه جديرًا بالاهتمام: هل نتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه قطاعًا اقتصاديًا واعدًا فقط، أم بوصفه أيضًا قدرة في ادوات القوى الوطنية يجب أن تدخل في حسابات الأمن الوطني وإدارة الأزمات؟ الفرق بين النظرتين كبير. ففي الأولى، ينصب الاهتمام على حجم الاستثمارات والتقنيات والبنية التحتية. أما الثانية، فتضيف إليها أسئلة تتعلق باستقلالية القدرات، وحماية البيانات، واستمرارية الأنظمة، وإمكانية الاعتماد عليها في الظروف الاستثنائية. وهذا لا يعني أن التقنية تستطيع أن تحل محل الدبلوماسية أو الردع بمفهومه الشامل . فالأزمة على المستوى الاستراتيجي للدول تؤكد أن إدارة الصراع تحتاج إلى مزيج من الأدوات، وأن القرار الاستراتيجي سيظل مسؤولية بشرية وسياسية في المقام الأول. لكن تجاهل الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في دعم هذه القرارات قد يحرم الدول من فرص مهمة لفهم المخاطر والاستعداد لها. ولعل الدرس الذي يستحق أن نتوقف عنده هو أن امتلاك المعلومات لم يعد كافيًا، كما أن امتلاك التقنية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على الاستفادة منها. فالقيمة تظهر عندما تتكامل القدرات التقنية مع الخبرة السياسية والأمنية والاقتصادية المتمثلة في العنصر البشري ، وتصبح جزءًا من منظومة قادرة على التعامل مع الاحتمالات المختلفة دون الارتهان لتوقع واحد. إن ما يجري في منطقتنا اليوم ليس مجرد أزمة عابرة في العلاقات الدولية، بل اختبار لقدرة الدول على حماية مصالحها في بيئة تتغير فيها أدوات التأثير والضغط بوتيرة متسارعة. ففي الصراعات الحديثة، قد تبدأ المعركة في الميدان، لكن الاثر اﻻستراتيجي لا يتوقف عند حدوده. وهنا تظهر قيمة الدولة التي تعرف مصالحها، وتدرك حجم التحديات من حولها، وتملك من أدوات القوة الوطنية ما يعينها على حماية أمنها واستقرارها. والمملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي، وما تبنيه من قدرات تقنية متقدمة، تقدم نموذجًا في الجمع بين حماية المصالح الوطنية والاستعداد لمتغيرات المستقبل.