الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ أغسطس-٢٠٢٦       2530

بقلم ـ علي حسن المفتاح

هناك عادة جديدة بدأت تتسلل إلى أخبار بعض المهرجانات والفعاليات لدينا، وأصبحت تستحق التوقف عندها أكثر من مرة، وهي عادة الاحتفاء بأرقام الزوار الكبيرة جدًا، حتى باتت بعض الأخبار لا تكاد تخلو من رقم ضخم يعلن في نهاية الفعالية وكأنه شهادة النجاح الكبرى: عشرات الآلاف حضروا، مئات الآلاف زاروا، وأحيانًا نصل إلى أرقام تجعل القارئ يتخيل أن مدينة كاملة كانت قد انتقلت بكل سكانها إلى موقع المهرجان.

والحقيقة أنني لست ضد أن تحقق أي فعالية رقمًا كبيرًا، بل على العكس تمامًا، فالفعاليات التي تستقطب الجمهور وتنجح في جذب الناس تستحق الإشادة، والمنظمون الذين يعملون لأشهر وربما سنوات حتى تخرج فعالياتهم بصورة جيدة يستحقون التقدير. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الرقم نفسه هو الإنجاز، وعندما يتحول عدد الزوار من معلومة يفترض أن تكون دقيقة وقابلة للتفسير إلى رقم احتفالي يوضع في العنوان، ثم يعاد تداوله حتى يصبح حقيقة لا يناقشها أحد.

وهنا، وبكل صراحة، يحق لنا أن نسأل السؤال الذي قد لا يعجب البعض، لكنه سؤال مشروع تمامًا:

كيف حسبتم عدد الزوار؟

هذا السؤال ليس تشكيكًا في أحد، ولا هو محاولة لتقليل قيمة أي مهرجان أو فعالية، وإنما هو أبسط قواعد العمل الإعلامي والمهني. فعندما تقول جهة إن فعالية ما استقبلت مئة ألف زائر، فمن الطبيعي أن يسأل الصحفي: هل المئة ألف هم عدد الأشخاص الفعليين الذين دخلوا الموقع؟ أم عدد مرات الدخول؟ أم تقدير مبني على الطاقة الاستيعابية للمكان؟ أم على حركة المداخل؟ أم على أرقام المشاركين والعاملين والجمهور مجتمعين؟ وهل الشخص الذي دخل في العصر وغادر ثم عاد في المساء احتُسب زائرًا واحدًا أم اثنين؟

هذه الأسئلة ليست تعقيدًا للمشهد، بل هي التي تعطي الرقم معناه.

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن بعض الأرقام المعلنة تجعل الإنسان في حيرة بين ما تقوله البيانات وما تراه عيناه.

تزور مهرجانًا أو فعالية، تنظر إلى مساحة الموقع، تتجول بين الأركان، تراقب المداخل والمخارج، تنظر إلى مواقف السيارات، ثم تلاحظ عدد العاملين والمنظمين والمتطوعين والمشاركين في الأجنحة، وقد تجد أن حضورهم في المكان أكثر وضوحًا من حضور الجمهور نفسه، وبعد ذلك تقرأ في اليوم التالي أن عدد الزوار تجاوز عشرات الآلاف أو مئات الآلاف.

هنا لا تستطيع إلا أن تتساءل: هل نحن أمام فعالية ضخمة فعلًا، أم أمام رقم ضخم فقط؟ فلنكن أكثر وضوحًا.

إذا كان الموقع لا يتسع لذلك العدد في الوقت نفسه، فهذا ليس دليلًا بمفرده على خطأ الرقم، لأن الزوار يدخلون ويخرجون على مدار ساعات وأيام، وهذه نقطة مهمة يجب ألا نتجاهلها. لكن عندما تكون المواقف محدودة، والمداخل محدودة، ومساحة الموقع معروفة، ولا توجد عملية تسجيل للزوار، ولا توجد تذاكر، ولا توجد أجهزة عد إلكترونية واضحة، ولا توجد أي آلية معلنة لاحتساب الحضور، يصبح من حق الجمهور أن يعرف من أين جاء الرقم.

فالأرقام لا تولد من الهواء. وإذا كانت تقديرية، فلتكن تقديرية، ولا عيب في ذلك.

المشكلة ليست في أن تقول إن الرقم تقديري؛ المشكلة أن تقدم الرقم التقديري للجمهور وكأنه إحصاء دقيق.

عندما يصبح «الزائر» أكثر من مرة

في عالم الفعاليات والمعارض الكبرى، مسألة قياس الحضور ليست أمرًا هامشيًا. هناك فعاليات تبدأ علاقتها بالزائر قبل أن يصل إلى البوابة أصلًا؛ تسجيل إلكتروني، تذكرة، رمز دخول، بطاقة تعريف، بيانات حضور، أجهزة قراءة عند المداخل، وأنظمة تستطيع معرفة حركة الدخول والخروج، وفي بعض الفعاليات يمكن معرفة عدد الزوار الفريدين وعدد مرات الدخول بصورة منفصلة.

لماذا كل هذا التعقيد؟

لأن المنظم المحترف يعرف أن هناك فرقًا بين عدد الأشخاص وعدد الزيارات.

شخص واحد قد يدخل المعرض صباحًا ثم يخرج للغداء ويعود بعد ساعتين. إذا كانت المنظومة تسجل حركة البوابات، فقد يكون لدينا عمليتا دخول، لكن لدينا شخص واحد فقط.

وهذا الفرق قد يكون بسيطًا عندما تتحدث عن ألف شخص، لكنه يصبح فارقًا هائلًا عندما تبدأ الأرقام في الحديث عن مئات الآلاف.

أما في بعض المهرجانات المفتوحة التي لا تحتاج إلى تذاكر ولا تسجيل، وتملك أكثر من مدخل، وتكون ساحاتها مفتوحة، وتوجد حولها مواقف عامة، فقد يكون احتساب الجمهور تحديًا حقيقيًا.

وهنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى الشفافية.

لا أحد يطلب من منظمي هذه الفعاليات أن يتحولوا إلى هيئة إحصاء، ولكن من حقنا أن نعرف على الأقل: هل الرقم عدّ فعلي؟ أم تقدير؟

إذا كان تقديرًا، فما أساس التقدير؟

إذا كان بناءً على عدد السيارات، فكم متوسط عدد الأشخاص في السيارة؟

إذا كان بناءً على حركة المداخل، فكيف تم منع العد المزدوج؟

إذا كان بناءً على عدد الحضور في أوقات مختلفة، فكيف تم حساب إجمالي اليوم؟

إذا كان الرقم يجمع بين الزوار والمشاركين والعاملين، فلماذا يُعلن للجمهور على أنه «عدد الزوار»؟

هذه ليست أسئلة تعجيزية.

هذه أسئلة كان يفترض أن تسبق الرقم، لا أن تأتي بعده.

والمواقف أيضًا تقول شيئًا

هناك مؤشر آخر قد لا يكون علميًا بمفرده، لكنه يستحق أن ننتبه إليه، وهو مواقف السيارات.

حين تعلن فعالية عن أعداد هائلة من الزوار، بينما المواقف الرسمية لا تكاد تستوعب سوى العاملين والمشاركين، قد يسأل المواطن نفسه: أين أوقف كل هؤلاء؟

نعم، قد يأتي جزء من الجمهور بسيارات الأجرة أو النقل التشاركي، وقد يأتي آخرون مع عائلاتهم في سيارة واحدة، وقد توجد مواقف بعيدة وحافلات نقل، وقد يأتي بعض الجمهور مشيًا، وكل ذلك وارد.

لكن عندما لا تكون هناك بنية نقل واضحة تتناسب مع الرقم المعلن، يصبح السؤال منطقيًا، خصوصًا إذا كانت الفعالية تقع في موقع محدود الوصول أو في مساحة لا تسمح باستيعاب حركة بهذا الحجم.

ولا يعني هذا أن المواقف تستطيع وحدها إثبات عدد الزوار أو نفيه، لكنها بالتأكيد أحد المؤشرات التي تجعلنا نتساءل عن طريقة الحساب.

وهنا يجب أن نفرق بين النقد المهني والتشكيك.

النقد المهني يقول: أعطونا المنهجية.

أما التشكيك فيقول: أنتم تكذبون.

وأنا لا أدعو إلى الثانية، بل أطالب بالأولى.

لماذا نضخم الرقم أصلًا؟

السؤال الأهم من طريقة الحساب هو: لماذا أصبح الرقم الكبير مغريًا إلى هذه الدرجة؟

ربما لأننا، في عالم الفعاليات، اعتدنا أن نربط النجاح بالحجم؛ كلما زاد عدد الزوار بدا الإنجاز أكبر، وكلما ارتفع الرقم أصبحت فرصة الخبر في وسائل الإعلام أكبر، وأصبح من السهل أن تقول الجهة المنظمة للرعاة والشركاء وأصحاب القرار: انظروا إلى حجم الإقبال.

وهذا مفهوم من الناحية التسويقية.

لكن هناك خطًا رفيعًا بين التسويق للنجاح وتضخيم النجاح.

والجهة التي تثق في فعاليتها لا تحتاج إلى أن تجعل الرقم أكبر مما هو عليه.

بل إنني أعتقد أن الرقم الحقيقي، مهما كان، قد يكون أكثر قيمة من الرقم الضخم غير المفسر.

فعندما تقول: استقبلنا 17 ألف زائر وفق نظام إلكتروني موثق، فهذا رقم محترم جدًا إذا كانت الفعالية جديدة أو متخصصة أو محدودة المساحة.

وعندما تقول: استقبلنا 70 ألف زائر تقديريًا خلال خمسة أيام، بناءً على حركة المداخل ومؤشرات الحضور، فهذا أيضًا رقم مفهوم، حتى لو كان تقديريًا.

أما أن تقول: «أكثر من 300 ألف زائر»، ثم لا يعرف القارئ هل نتحدث عن 300 ألف شخص أم 300 ألف دخول أم تقدير بصري، فهنا يصبح الرقم أقرب إلى مادة دعائية منه إلى معلومة صحفية.

والإعلام ليس قسم تسويق مجانيًا لأي جهة.

احترام الجمهور يبدأ من احترام عقله

الجمهور السعودي اليوم ليس كما كان قبل سنوات.

الناس تصور كل شيء , الناس تقارن , الناس تعرف مساحة المكان , الناس تعرف عدد المداخل , الناس ترى المواقف.

الناس تعيش الفعالية بنفسها، ثم تقرأ البيان الذي يصدر في اليوم التالي.

ولهذا فإن الفجوة بين التجربة الواقعية والرقم المعلن لا تمر بسهولة.

وقد يكون أخطر ما يمكن أن يحدث للفعالية أن يبدأ الجمهور في التعامل مع أرقامها بابتسامة ساخرة.

لأنك عندما تفقد ثقة الجمهور في رقم واحد، فإنك تفتح الباب أمام الشك في أرقام أخرى، حتى تلك التي قد تكون صحيحة فعلًا.

وهذه خسارة لا تحتاجها أي جهة منظمة.

نحن نريد أن نفرح بنجاح فعالياتنا، ونريد أن نحتفي بالمهرجانات التي تجذب الناس، ونريد أن نقول إن مدننا ومناطقنا قادرة على تنظيم فعاليات كبيرة ومؤثرة.

لكننا في الوقت نفسه نريد أرقامًا يمكن أن نثق بها.

النجاح ليس في أن تقول «وصلنا إلى المليون»، وإنما في أن تستطيع عندما يسألك أحد: «كيف وصلتم إلى المليون؟» أن تقدم له جوابًا واضحًا.

هناك فرق بين «عدد الحضور» و«عدد الزوار»

وهذه نقطة أعتقد أن الجهات الإعلامية المنظمة للفعاليات تحتاج إلى الانتباه إليها أكثر.

في الأخبار، هناك عبارات تبدو متشابهة لكنها ليست متطابقة.

«شهدت الفعالية حضور 50 ألف شخص».

«استقبلت الفعالية 50 ألف زائر».

«سجلت الفعالية 50 ألف زيارة».

«بلغ عدد الحضور 50 ألفًا».

كل جملة من هذه الجمل قد تعني شيئًا مختلفًا.

والمشكلة أن البيانات الصحفية أحيانًا تستخدمها وكأنها شيء واحد.

وهنا يأتي دور الإعلامي.

الإعلامي المحترف لا يأخذ الرقم كما وصله، ثم يضعه في الخبر وينتهي الأمر. من حقه أن يسأل المصدر: ماذا تقصدون بـ«الزوار»؟

وهذا السؤال البسيط قد يجعل الخبر أكثر مهنية بكثير.

دعونا نضع معيارًا واضحًا

ربما حان الوقت لأن تصبح هناك ممارسة أكثر وضوحًا في بيانات الفعاليات والمهرجانات.

عندما تعلن الجهة عدد الزوار، تذكر معه آلية الاحتساب.

ليس مطلوبًا كشف بيانات شخصية للناس، وليس مطلوبًا نشر أسماء أو أرقام جوالات أو معلومات خاصة.

المطلوب فقط أن تقول:

طريقة احتساب الزوار: تسجيل إلكتروني، تذاكر، أجهزة عد، تقدير ميداني، أو غير ذلك.

وإذا كان الرقم تقديريًا، يُكتب بجواره «تقديري».

وإذا كان الرقم يمثل عدد مرات الدخول، يقال «عدد الزيارات» وليس «عدد الزوار».

وإذا كان الرقم يشمل العاملين والمشاركين، فلا يسمى «عدد الزوار».

وبذلك نغلق بابًا واسعًا من الالتباس، ونحمي الجهات المنظمة نفسها من النقد، ونمنح الإعلام مادة أكثر دقة، ونقدم للجمهور معلومة تستحق الثقة.

لا تجعلوا «المليون» هدفًا بحد ذاته

أنا شخصيًا لا أرى في الوصول إلى مليون زائر بطولة إذا لم نعرف ماذا يعني هذا المليون.

قد تكون فعالية استقطبت عشرة آلاف شخص، لكنها غيرت تجربة مدينة، أو دعمت عشرات الأسر المنتجة، أو قدمت برنامجًا ثقافيًا محترمًا، أو أعطت الشباب فرصة حقيقية، أو صنعت أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا ملموسًا.

هذا نجاح.

وقد تكون فعالية أعلنت عن مليون زائر، ثم لم يبق من أثرها بعد انتهاء أيامها إلا الرقم الذي نشرته في البيان الختامي.

وهذا ليس النجاح الذي نبحث عنه , يجب أن ننتقل من ثقافة الأرقام الكبيرة إلى ثقافة الأرقام الصحيحة.

ومن ثقافة «كم قلنا إن عدد الزوار؟» إلى «كم كان عدد الزوار فعلًا؟».

والفرق بين الاثنين ليس بسيطًا , إنه الفرق بين الدعاية والمعلومة.

رسالة أخيرة للمنظمين

يا أصحاب المهرجانات والفعاليات، لا تخافوا من الرقم الحقيقي.

لا تخافوا من أن تقولوا إن عدد الزوار كان أقل مما كنتم تتمنون.

ولا تجعلوا الضغط التسويقي يدفعكم إلى البحث عن أكبر رقم يمكن وضعه في البيان الصحفي.

الجمهور لا يطلب المستحيل.

هو يريد تجربة جيدة، وتنظيمًا جيدًا، وخدمة جيدة، ومعلومة صادقة.

وإذا كانت فعاليتكم قد استقبلت عشرة آلاف، فقولوا عشرة آلاف.

وإذا كانت عشرين ألفًا، فقولوا عشرين ألفًا.

وإذا كان العدد تقديريًا، قولوا إنه تقديري.

أما أن نضع رقمًا ضخمًا ثم نترك الجمهور يحاول حل لغز «من أين جاء هذا الرقم؟»، فهذه ليست الطريقة التي نبني بها الثقة.

اليوم هاتف المواطن أقوى من عشرات البيانات الصحفية، أصبح من الصعب إقناع الناس بأن الرقم أكبر من المكان الذي شاهدوه بأعينهم.

لذلك، قبل أن نحتفل بالـ«مليون زائر»، دعونا نسأل أولًا:

هل لدينا مليون زائر فعلًا؟ أم مليون زيارة؟ أم تقدير؟ أم مجرد رقم جميل يصلح للعنوان؟

لا مشكلة لدينا مع المهرجان الناجح، ولا مع الفعالية الجماهيرية، ولا مع الأرقام الكبيرة.

مشكلتنا فقط مع أن يصبح الرقم أكبر من الحقيقة.

والحقيقة، في النهاية، لا تحتاج إلى مبالغة حتى تكون جميلة.

احترموا الجمهور… واحترموا عقول الناس، فالسعودي اليوم يستطيع أن يرى بعينه، ويقارن بجواله، ويسأل عن الرقم الذي كان في الماضي يمر عليه مرور الكرام.

والفعالية التي تثق بنجاحها الحقيقي لا تحتاج إلى أن تكبّر عدد زوارها , يكفيها أن تقول الحقيقة.