بقلم ـ غازي العوني
معركة الخسران هي معركة بين أطراف يعلوها صوتها، ويموت من حولها كثير من البشر. هي معركة لا تُعلن ولا تُختم، تبدأ بهمسة ثم تكبر حتى تصبح ضجيجاً يملأ الأفق.
في هذه المعركة لا أحد يسمع أحداً. الكل يتكلم والكل يصرخ. تُرفع الشعارات عالية كي تُسكت لا كي تُقنع. يتحول النقاش إلى سباق من يصيح أعلى، ومن يقذف التهم أسرع، حتى يضيع المعنى وسط الغبار.
والمكر الخبيث يسير بينهم كظل. يذكّر هذا بجرح، ويوقظ في ذاك إحساساً بالنقص. يصب الزيت ثم يختفي ويقف يتفرج. لا يريد حلاً، يريد أن تستمر النار كي يرى الدخان يتصاعد.
أما الثمن فتدفعه الأرض والناس. يموت من لم يحمل سلاحاً، ويموت من سأل سؤالاً بريئاً. يموت البيت الهادئ، والطريق الآمن، والحلم الصغير الذي كان سيكبر لولا أن داسته الأقدام.
أخطر ما فيها أنها تصبح عادة. نستيقظ فنجدها، وننام وهي لم تنتهِ. فنعتاد الصراخ، ونعتاد الخسارة، ونعتاد أن نختار بين سيئ وأسوأ ونسميه انتصاراً.
والحقيقة أن لا أحد فيها رابح. حتى من يظن أنه انتصر، سيكتشف لاحقاً أنه وقف على أنقاض، وأن يديه ملطختان بما لم يكن له.
معركة الخسران لا تُورث إلا رماداً، ولا يُكتب في سجلها اسم منتصر بل أسماء من دُفنوا تحت الضجيج، والشجاعة الوحيدة فيها أن تدير ظهرك للسراب قبل أن يقتلك العطش، وأن تخرج من الميدان بإنسانيتك كاملة حتى لو خسرت الصوت العالي، لأن التاريخ لا يخلد من صرخ أكثر بل من أنقذ ما تبقى من الحياة حين اختار الجميع الخسران.