الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ أغسطس-٢٠٢٦       2420

بقلم ـ راضي غربي العنزي

ليس كل من يضحك بخير، ولا كل من صمت نجا، ولا كل من قال «أنا بخير» كان يملك رفاهية أن يقول الحقيقة. هناك قلوبٌ تخوض معاركها في صمت، وتعود كل مساء إلى أصحابها مثقلةً بما لا يراه أحد. لكن أقسى ما يفعله الإنسان بنفسه أن يحاكم الله على جرحٍ لم يفهم حكمته بعد، وأن يظن أن الباب الذي أُغلق في وجهه كان آخر أبواب الحياة؛ بينما الله وحده يعلم لماذا أُغلق، وممَّ حفظه، وإلى أين يريد أن يأخذ قلبه. نحن لا نعرف الغيب، لكننا نعرف ربًا لا يظلم، ولا ينسى، ولا يخذل من احتمى به. ولذلك، فإلى كل قلبٍ انكسر: لا تتعجل دفن الحكاية… فقد يكون الله قد بدأ للتو كتابة أجمل فصولها.

إلى الذين يبتسمون كثيرًا حتى لا يكتشف أحدٌ أن في صدورهم حكايةً لم تنتهِ بعد، إلى الذين ينامون وهم يحملون فوق وسائدهم أسئلةً أثقل من النوم، وإلى الذين قالوا لأنفسهم ذات مساء: «لماذا أنا؟» ثم ابتلعوا السؤال لأنهم لم يجدوا له جوابًا يليق بوجعهم… هذه الكلمات لكم.

أعرف أن الانكسار ليس دائمًا صوتًا مرتفعًا. أحيانًا يكون هدوءًا غريبًا، ونظرةً شاردة، ورسالةً لم نعد نرسلها، ومقعدًا نتجنّب الجلوس عليه، واسمًا كان يومًا أجمل الأسماء ثم صار يوجعنا سماعه. والمفارقة الساخرة أن الإنسان قد يقضي نصف عمره يهرب من الحزن، ثم يكتشف في آخر الطريق أن بعض الأحزان لم تأتِ لتقتله، وإنما جاءت لتعيده إلى الله.

نحن، يا سادة، مخلوقات عجيبة؛ إذا أعطانا الله شيئًا ظننا أن الحياة استقرت، وإذا أخذه منا ظننا أن كل شيء انتهى! كأننا نحن الذين ندير شؤون حياتنا كلها، وكأن الله سبحانه وتعالى يحتاج إلى استشارتنا قبل أن يختار لنا ما يصلحنا. نغضب لأن بابًا أُغلق، ثم نكتشف بعد سنوات أن وراءه شيئًا كان سيؤذينا، ونبكي على شخص خرج من حياتنا، ثم نحمد الله لأنه أخرج معه وجعًا لم نكن نعرف اسمه.

قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. لم يقل سبحانه إن اليسر سيأتي بعد العسر فقط، بل قال: مع العسر؛ وكأن رحمة الله تحيط بالمحنة ونحن لا نراها لأن عيوننا مشغولة بالدموع.

ولهذا كان النبي ﷺ يقول: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير»؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له. ما أعظم هذا المعنى حين يسكن القلب! فالمؤمن لا يعيش حياته باعتقاد أن كل ما يريده سيحدث، بل يعيش مطمئنًا إلى أن الله سبحانه وتعالى حكيم، رحيم، لطيف بعباده، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.

وفي التاريخ الإسلامي قصة رجلٍ لم تكن بدايته تشبه نهايته. إنه عروة بن الزبير، أحد كبار التابعين، وقد ابتلاه الله بابتلاء شديد؛ فقد بُترت ساقه، وفقد في البلاء أحد أبنائه. وكان يمكن للإنسان أمام مثل هذا المصاب أن يسقط في مرارة الاعتراض، لكنه قابل البلاء بالإيمان والثناء على الله، وظل قلبه متعلقًا بربه. ليست العظمة في ألا نتألم؛ العظمة في ألا يجعلنا الألم نسيء الظن بالله.

وهنا تكمن المفارقة التي لا يفهمها القلب المنكسر في لحظته الأولى: نحن نريد من الله أن يشرح لنا كل شيء قبل أن نطمئن، بينما الإيمان الحقيقي يعلمنا أن نطمئن إلى الله حتى حين لا نفهم كل شيء.

ويقول الفيلسوف إيمانويل كانط وهو فيلسوف الماني : «السعادة ليست مثالية العقل، بل هي من خيال الإنسان». ولعل أجمل ما في الإنسان أنه يستطيع أن يعيد تعريف سعادته. فقد تكون السعادة في كوب قهوة هادئ بعد أيام من الضجيج، أو في شخص يسأل عنك دون مصلحة، أو في سجدة طويلة لا يسمع فيها قلبك إلا دعاءك لله. وقد تكون السعادة الكبرى أن تنجو من شيء كنت تظنه نجاتك!

أما سينيكا، ذلك الحكيم الذي طالما تأمل في الألم وتقلبات الحياة، فكان يرى أن الصعوبات تكشف معدن الإنسان. ونحن نستطيع أن نضيف إلى حكمته معنى أعمق: إن المحن تكشف لنا أيضًا كم نحن فقراء إلى الله، وكم هو غني عنا؛ سبحانه، لا تنفعه طاعتنا ولا تضره معصيتنا، ونحن لا غنى لنا عن رحمته طرفة عين.

يا من انكسر قلبك بسبب إنسان، لا تجعل إنسانًا واحدًا يعرّف لك الحياة كلها. البشر يتغيرون، يقتربون ويبتعدون، يخطئون ويعتذرون، يحبون ثم يفترقون، أما الله سبحانه وتعالى فواحد لا شريك له، حي لا يموت، قيوم لا يغفل، ورحمته أوسع من كل ما ضاق به صدرك.

ويا من أُغلقت في وجهه أبواب العمل والرزق، لا تجعل تأخر العطاء دليلًا على غياب العناية. كم من إنسان ظن أن رزقه مات، ثم جاءه من طريق لم يخطر له على بال. وكم من شخص ظن أن تأخر الزواج نهاية الحكاية، ثم اكتشف أن الله كان يحفظ قلبه من علاقة كان سيدفع ثمنها سنوات. وكم من إنسان ظن أن فشله سقوط، ثم صار ذلك الفشل نفسه أول حجر في طريق نجاحه.

إن الله لا يحتاج إلى أن يشرح لنا حكمته كي يكون حكيمًا، ولا يحتاج إلى أن يثبت لنا رحمته كي يكون رحيمًا. نحن الذين نحتاج إلى أن نثق به أكثر.

ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله بقلبك المنكسر ألا تستعجل إصلاحه بطريقة البشر. لا تذهب إلى كل عابر لتشرح له جرحك، ولا تمنح كل فضولي مفاتيح روحك. بعض الجروح يكفيها وضوء، وسجدة، وقرآن، ودعاء صادق بينك وبين الله.

ولا تخجل من ضعفك؛ فالقلوب ليست صخورًا، ومن لم يتألم قط لم يعرف قيمة العافية. ابكِ إن احتجت، لكن لا تجعل دموعك تنسيك أن الله يسمعك. اهدأ إن استطعت، لكن لا تجعل هدوءك استسلامًا. ابدأ من جديد ولو بخطوة صغيرة؛ فالله قادر على أن يخرج من قلبك حياةً جديدة، من غير أن تحتاج إلى تفسير كل التفاصيل.

أيها المنكسر، لا تنظر إلى ما فقدت فقط؛ انظر إلى ما بقي لك. بقي الله، وهذه ليست كلمة عابرة. بقي ربك الذي لا إله إلا هو، وبقيت رحمته، وبقي الدعاء، وبقيت فرصة أن تفتح صفحة لم تكتب فيها شيئًا بعد.

وربما ستضحك يومًا من شدة حزنك القديم، لا لأن الألم كان صغيرًا، بل لأنك ستعرف كم كان الله لطيفًا بك وأنت لا تعلم. ستلتفت إلى الوراء وتقول: «كنت أظن أنني خسرت كل شيء، فإذا بالله قد أنقذني من أشياء لم أكن أعرف أنني بحاجة إلى النجاة منها».

فلا تجعل قلبك المنكسر قبرًا للحياة. اجعله محرابًا للرجوع إلى الله.

واعلم أن بعض النهايات ليست موتًا للحكاية، بل خلاصًا من فصل لم يعد يليق بك. وبعض الأبواب حين تُغلق، لا يكون وراءها فراغ، بل يكون وراءها حفظ من الله. وبعض الخسارات ليست عقوبة، بل رحمة لا نفهمها إلا بعد زمن.

وإذا اشتد عليك الليل، فلا تبحث طويلًا عن نافذة في الجدار؛ ابحث عن الله. قل له ما عجزت عن قوله للناس، واشكُ إليه ما لم تستطع شرحه، ثم اترك قلبك بين يديه.

فالله سبحانه وتعالى لا يضيع قلبًا لجأ إليه، ولا يترك عبدًا أحسن به الظن، ولا يعجزه أن يبدّل الحزن سكينة، والضعف قوة، والانكسار بداية. سبحانه الواحد الأحد، الفرد الصمد، المنزه عن كل نقص، الذي لا شريك له في ملكه، ولا ند له في ربوبيته، ولا معبود بحق سواه.

وفي النهاية، لا أحد يخرج من الحياة كما دخلها؛ بعضنا تكسّره الأيام، وبعضنا يتعلم كيف يجعل من شظايا قلبه نافذة يرى منها رحمة الله. فلا تبكِ طويلًا على باب أغلقه الله، ولا تلعن طريقًا أوقفك عنه، ولا تجعل خسارة إنسان أكبر من نعمة رب العالمين. أنت لا تعرف ماذا دفع الله عنك حين منع، ولا ماذا خبأ لك حين أخّر، ولا كم مرة حماك وأنت تظن أنك تُركت وحدك. لذلك ارفع قلبك عن أرض الخيبة، وضعه حيث ينبغي أن يكون: بين يدي الله. هناك لا تحتاج إلى أن تفهم كل شيء كي تطمئن؛ يكفي أن تعرف من هو الله. وحين تعرفه حقًا، ستكتشف أن أعظم ما كسر قلبك يومًا… ربما كان هو نفسه الشيء الذي أنقذ حياتك