الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ أغسطس-٢٠٢٦       2805

بقلم ـ ثامر ابن سعران السبيعي
في كل أزمة دولية تتصاعد، يسأل المراقبون سؤالاً واحداً بصيغ مختلفة: هل ما زال هناك أمل في الحل السلمي، أم أن الأمور تتجه نحو تصعيد أخطر؟ الإجابة الدقيقة على هذا السؤال لا تعتمد على التخمين أو القراءة السياسية العامة وحدها، بل على فهم بند قانوني محدد داخل ميثاق الأمم المتحدة، يفصل فعلياً بين عالمين مختلفين تماماً في طبيعتهما: عالم "الدعوة والتوصية"، وعالم "الإلزام والعقوبة".
تُعرِّف الأمم المتحدة الدبلوماسية الوقائية بأنها الإجراء الدبلوماسي المتخذ في أبكر مرحلة ممكنة، لمنع نشوء النزاعات بين الأطراف، ومنع تصاعد النزاعات القائمة إلى صراعات مسلحة، والحد من انتشار هذه الصراعات حين تقع فعلياً. هذا التعريف ليس شعاراً عاماً، بل مستمَد مباشرة من نص قانوني صريح: المادة الثالثة والثلاثون من الفصل السادس لميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أن أطراف أي نزاع قد يهدد السلم الدولي "يجب أن يلتمسوا حله، بادئ ذي بدء، بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية"، مع صلاحية لمجلس الأمن بأن "يدعو" الأطراف لهذه التسوية إن رأى ضرورة لذلك.
كلمة "يدعو" هنا ليست تفصيلاً لغوياً عابراً، بل جوهر الفصل السادس بأكمله: كل الأدوات الأربع التي تنبثق منه، الوساطة والتوفيق والتفاوض المباشر والإنذار المبكر، تعمل بمنطق "الدعوة الطوعية"، لا "الإلزام القانوني". الوساطة تُقرِّب وجهات النظر دون فرض حل. التوفيق يقترح حلولاً فعلية لكن قبولها اختياري. التفاوض المباشر يترك الأطراف تتحاور بأنفسها. والإنذار المبكر يرصد مؤشرات التصعيد ليمنح الأدوات الثلاث الأخرى فرصة التدخل في الوقت الصحيح. جميعها أدوات يمكن للأطراف رفضها دون عقوبة مباشرة — وهذا بالضبط ما يجعل هذه المرحلة الأرخص كلفة، والأصعب ضماناً في آنٍ واحد.
لكن حين تفشل هذه الأدوات، أو حين لا تُفعَّل في توقيتها الصحيح، لا ينتقل الملف لأدوات أقوى من النوع نفسه، بل يتحول بالكامل لمنطق قانوني مختلف جذرياً. المادة التاسعة والثلاثون من الفصل السابع تمنح مجلس الأمن صلاحية أن "يقرر ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان"، ثم يقرر التدابير الواجب اتخاذها. هنا يتغير الفعل من "يدعو" إلى "يقرر"، ومن التوصية إلى الإلزام: تدابير غير عسكرية أولاً (عقوبات اقتصادية، قطع علاقات دبلوماسية)، ثم تدابير عسكرية إن ثبت عدم كفاية الأولى.
وهنا تحديداً ينتهي، بالمعنى القانوني الدقيق، دور الدبلوماسية الوقائية ذاتها؛ فالوقاية بحكم تعريفها تسعى لمنع الوصول لهذه المرحلة أصلاً، لا للعمل داخلها. هذه المرحلة الجديدة تحمل اسماً مختلفاً تماماً في أدبيات العلاقات الدولية: "الدبلوماسية القسرية"، حين تبقى الأدوات غير عسكرية كالعقوبات والعزل الدبلوماسي، أو "إنفاذ السلام"، حين يُستخدَم الخيار العسكري فعلياً. ويُميَّز هذا الأخير بدقة عن مصطلح مشابه يُخلَط به أحياناً، وهو "حفظ السلام"، الذي يفترض موافقة الأطراف المتنازعة على وجود قوات دولية بينها، بخلاف "إنفاذ السلام" الذي لا يشترط هذه الموافقة إطلاقاً.
الدرس العملي من هذا التسلسل القانوني الدقيق ليس أكاديمياً محضاً، بل يمس كل من يتابع أي أزمة دولية متصاعدة اليوم: الانتقال بين "الفصل السادس" و"الفصل السابع" ليس قفزة مفاجئة، بل مساراً متدرجاً يمكن رصده وقراءته مبكراً، شرط معرفة العلامات الفارقة بين المرحلتين. من يفهم هذا الفارق، لا من يكتفي بمتابعة العناوين الإخبارية العامة، هو من يستطيع فعلياً تقدير المسافة المتبقية بين الحوار الدبلوماسي والتصعيد الأخطر، قبل أن تحسمها الأحداث نفسها