بقلم- عايض المالكي
حين سُئل سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في أحد اللقاءات الإعلامية “ممن تخاف؟” جاء الرد حاسمًا وبسيطًا “الخوف غير موجود في قاموس السعوديين”. جملة قصيرة، لكنها لم تمر كتصريح عابر بل بدت وكأنها تلخص مرحلة كاملة من التحول، لا في الخطاب فقط، بل في السلوك الاقتصادي والاجتماعي.
اليوم، يمكن قراءة هذا المعنى خارج سياقه الرمزي لنراه متجسدًا في الشارع السعودي نفسه في طريقة التفكير وفي نظرة الجيل الجديد للعمل وفي الجرأة المتزايدة على تحويل الهوايات إلى مشاريع والفكرة إلى دخل، والمهارة إلى استثمار.
لم يعد مفهوم “العمل” محصورًا في وظيفة تقليدية بانتظار إعلان توظيف، بل أصبح مساحة أوسع بكثير مساحة لصناعة الفرصة بدل انتظارها.
في ورش السيارات الصغيرة، نجد شبابًا سعوديين حولوا شغفهم بالمركبات إلى مشاريع متخصصة من صيانة دقيقة إلى تعديل، إلى تشخيص إلكتروني متقدم، وصولًا إلى كراجات تُدار كعلامات تجارية عبر منصات التواصل. ما كان يُنظر إليه سابقًا كعمل حرفي محدود، أصبح اليوم نشاطًا اقتصاديًا تنافسيًا يعتمد على المهارة والتسويق الرقمي وفتح فرص توظيفها في السوق السعودي .
وفي قطاع المطاعم، لم يعد المشهد مقتصرًا على المبادرات الفردية أو المشاريع الصغيرة داخل النطاق المحلي، بل برزت علامات سعودية في قطاع الأغذية والمطاعم استطاعت أن تصنع لنفسها حضورًا يتجاوز حدود الوطن. اليوم نرى ماركات سعودية في القهوة والمطاعم والمنتجات الغذائية تتحول إلى سلاسل تجارية ذات هوية واضحة، وتنافس في أسواق إقليمية، مستندة إلى جودة المنتج وفهم عميق لذائقة المستهلك وبناء عليه خلقه وظائف تعمل في السوق السعودي.
ولم تتوقف التحولات عند ذلك، بل امتدت إلى العمل الحر الرقمي؛ من تصميم ومونتاج وإدارة حسابات وبرمجة.
هذا التحول لا يمكن فصله عن البيئة الاقتصادية الأوسع في المملكة العربية السعودية، حيث تتجه الدولة نحو تمكين ريادة الأعمال وتوسيع مفهوم الاقتصاد الإنتاجي، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030، التي لم تكتفِ بخلق وظائف، بل عملت على خلق منظومة تسمح بصناعة الوظائف نفسها.
في جوهر هذا المشهد، يبدو أن عبارة “السعودي لا يخاف” ليست مجرد رد في مقابلة إعلامية، بل انعكاس لثقافة جديدة تتشكل ثقافة لا تنتظر الفرص، بل تبتكرها. ثقافة ترى في كل مهارة مشروعًا محتملًا . وفي كل فكرة بداية محتملة لاقتصاد صغير.
ربما السؤال اليوم لم يعد أين الوظيفة؟ بل أصبح ماذا يمكن أن أصنع بما أملك؟