الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ أغسطس-٢٠٢٦       2200

بقلم: د. نجوى الكحلوت

يمرّ اليوم العالمي لمحبي الكتب عابرًا لطيفًا في تقويم الأيام، يعرفه من اعتاد أن يضع بينه وبين العالم صفحة، ولا يكاد يلتفت إليه من لم يجرّب أن يكون الكتاب وطنًا له.

للكتاب مع محبيه علاقة لا تشبه سواها؛ علاقة تبدأ غالبًا بحرفٍ عابر، ثم تمتدّ حتى تصير عادة، ثم ترتقي حتى تصبح جزءًا من التكوين. فالقارئ لا يقرأ ليملأ وقتًا، ولا ليجمع معلومات، ربما ليهدأ، أو ليجد اسمه في سطورٍ لم تُكتب له تحديدًا، ومع ذلك تشبهه.

في هذا اليوم، لا نحتفي بالكتب على الرفوف، ولا بعدد الإصدارات، نحتفي باللحظات التي غيّرتنا فيها الكتب دون أن نشعر. بتلك الصفحة التي أوقفتنا طويلًا، بذلك السطر الذي أعاد تعريف فكرةٍ في أذهاننا، بذلك الكتاب الذي خرجنا منه على غير ما دخلنا.

محبّو الكتب لا يجتمعون على نوعٍ واحد، ولا على ذائقةٍ واحدة، ومع ذلك يجتمعون على سرّ خفي: الإيمان بأن الكلمات قادرة على أن تفعل ما تعجز عنه أشياء كثيرة. كلمةٌ قد تواسي، وأخرى قد توقظ، وثالثة قد تعيد بناء إنسان من الداخل.

ولعل أجمل ما في هذا اليوم أنه لا يفرض احتفالًا صاخبًا، ولا يحتاج إلى مراسم؛ يكفيه قارئٌ يفتح كتابًا في زاوية هادئة، ويمنح نفسه وقتًا نقيًّا، خارج ضجيج العالم. فهناك، في تلك اللحظة، يتحقق المعنى الحقيقي لهذا اليوم.

ليس كل من أحبّ الكتب أعلن ذلك، ولا كل من قرأ تحدّث عنه؛ فبعض العلاقات تُصان بالصمت، وبعض المحبة لا تحتاج إلى شاهد. وبين قارئٍ وكتابه حكايات لا تُروى، لأنها لا تُفهم إلا بالمعايشة.

وفي زمنٍ تتسارع فيه كل الأشياء، يبقى الكتاب مساحة بطيئة، آمنة، تُعيد الإنسان إلى نفسه. مساحة يُسمح فيها بالتأمل، وبالخطأ، وبإعادة القراءة، وكأنها تدريب هادئ على الحياة.

لهذا، لا يكفي يومٌ واحد للاحتفاء بمحبي الكتب، لأن من اعتاد القراءة لا يعيشها مناسبة، إنما يعيشها أسلوب حياة؛ يبدأ به يومه أحيانًا، ويختم به يومه غالبًا، ويعود إليه كلما احتاج أن يتذكّر أنه ما يزال قادرًا على الفهم، وعلى أن يكون إنسانًا أكثر اتساعًا.

هنيئًا لمن وجد في الكتاب رفيقًا، وفي القراءة طريقًا، وفي الحرف حياة.