الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ أغسطس-٢٠٢٦       3080

بقلم:  ريماس الصينية  – الصحفية في CGTN العربية

في أحد المقاهي بمدينة الرياض، كان رجل سعودي مسن يشرح للسياح الصينيين باللغة العربية طريقة استخدام الشيشة. وفي فرع متحف اللوفر بأبوظبي، كان أمين معرض فرنسي وفنان إماراتي يتبادلان وجهات النظر حول المعاني المختلفة للوحة واحدة.
قد تبدو هذه المشاهد صغيرة، إلى درجة أنها لا تظهر في نشرات الأخبار. لكنها تشير إلى حقيقة واحدة: بين الحضارات المختلفة، هناك دائما من يحاول بناء جسور التواصل. إنهم ليسوا دبلوماسيين ولا أكاديميين، بل أناس عاديون.
احتمال آخر غير "صراع الحضارات"
في تسعينيات القرن الماضي، طرح المفكر الأمريكي صموئيل هنتنغتون نظرية "صراع الحضارات"، التي رأت أن الصراعات الرئيسية في العالم بعد الحرب الباردة ستنشأ من الاختلافات الجوهرية بين الحضارات المختلفة. وقد أثرت هذه النظرية بشكل واسع، وتم الاستشهاد بها كثيرا.
لكنها تبقى إطارا تفسيريا، وليست نبوءة حتمية. فالعالم ليس مقدرا له أن يسير نحو المواجهة بين الحضارات.
في المقابل، قدمت الصين رؤية أخرى تقوم على إمكانية الحوار بين الحضارات. ففي عام 2023، طرحت الصين "مبادرة الحضارة العالمية"، التي تقوم على فكرة بسيطة: الحضارات المختلفة لا يجب أن تتجه بالضرورة نحو الصراع، بل يمكنها أن تتحاور.
احترام الاختلافات، والبحث عن القواسم المشتركة، وتحقيق الفهم المتبادل من خلال التواصل بدلا من المواجهة، هي جوهر هذه الرؤية.
وهذا ليس طرحا نظريا معقدا. فجوهره أن الإنسان عندما لا يعرف ثقافة شخص آخر، قد ينظر إليه بسهولة باعتباره "غريبا". لكن عندما يبدأ في فهم لغته وقصته وطريقة حياته، يتحول ذلك "الغريب" تدريجيا إلى "إنسان يشبهه، لكنه يمتلك عادات مختلفة".
كيف يكون الحوار حضاري؟و كيف يكون غير ذلك؟
عند الحديث عن الحوار بين الحضارات، توجد فكرتان خاطئتان تحتاجان إلى التوضيح.
أولا، الحوار الحضاري لا يعني إزالة الاختلافات. بل على العكس، فهو يقوم على الاعتراف بوجود الاختلاف واحترامه. ففي الثقافة الصينية هناك مفهوم "الانسجام مع الحفاظ على الاختلاف"، أي أن التعايش المتناغم لا يعني التطابق الكامل.
إن احترام خصوصية كل حضارة هو أساس الحوار، وليس شيئا يجب التخلص منه.
ثانيا، الحوار الحضاري ليس عملية تقوم فيها حضارة ما بـ"تعليم" حضارة أخرى. فهو ليس تصديرا للثقافة ولا فرضا للقيم. فالحوار الحقيقي يقوم على التبادل والمساواة، وينبغي أن تعود نتائجه بالنفع على جميع الأطراف، لا أن يكون عرضا منفردا لطرف واحد.
الحوار يحدث بالفعل: لحظات من التبادل بين الصين والعالم العربي
قد يبدو الحوار الحضاري مفهوما واسعا، لكنه في النهاية يجب أن يظهر من خلال أشخاص وأحداث محددة. وبعض الأمثلة بين الصين والعالم العربي قد تجعل هذا المفهوم أكثر وضوحا.
في أبريل 2026، عُقد في العاصمة الجزائرية الجزائر المؤتمر الأكاديمي الدولي الأول للتبادل الحضاري والتعلم المتبادل بين الصين والدول العربية الإفريقية. وشارك فيه ممثلون عن جامعات ومؤسسات بحثية من 13 دولة، من بينها الصين والجزائر ومصر.
وخلال المؤتمر، صدر "توافق الجزائر"، وهو بيان مشترك حول المبادئ الأساسية للحوار بين الحضارات. ولم يكن هذا اللقاء مجرد اجتماع أكاديمي، بل كان دليلا على أن باحثين من خلفيات ثقافية مختلفة يسعون إلى إيجاد لغة مشتركة، ليس فقط من حيث الترجمة اللغوية، بل أيضا من حيث المفاهيم وطرق التفكير.
وفي الشهر نفسه، عُقد في بكين لقاء حول التبادل الثقافي والحوار الحضاري بين الصين والإمارات.
كما نشر القنصل العام الصيني في الإسكندرية مقالا موقعا في وسائل إعلام مصرية بعنوان "دعوا منارة الحضارة تضيء طريق تقدم العالم".
وفي مايو 2026، أقيم مهرجان الشعر الشبابي الدولي بعنوان "قصيدة واحدة تجمعنا تحت السماء نفسها" في مدن قوانغتشو وشنتشن وبكين. وجمع الحدث أكثر من 40 شاعرا وباحثا شابا في الدراسات الصينية من 13 دولة عربية، إلى جانب أكثر من 40 شاعرا صينيا شابا، حيث قرأوا القصائد وناقشوا الشعر وترجموا النصوص معا.
كان شعار المهرجان "قصيدة واحدة تجمعنا تحت السماء نفسها"، في إشارة إلى أن أشخاصا تفصل بينهم آلاف الكيلومترات يمكن أن يجدوا رابطا مشتركا من خلال قصيدة واحدة.
قد لا تكون هذه الأنشطة ضخمة، وربما لم تتصدر عناوين الأخبار العالمية. لكنها تمثل ظاهرة تحدث بالفعل: أشخاص من خلفيات ثقافية مختلفة يحاولون فهم بعضهم البعض.
باحث إماراتي يجلس في قاعة مؤتمرات ببكين يناقش مفهوم التبادل الحضاري، وشاعر مصري يلقي قصيدة صينية باللغة العربية... هذه اللحظات، عندما تتجمع معا، تشكل الصورة الأكثر واقعية للحوار بين الحضارات.
ماذا يمكن أن يحقق الحوار؟
قد يتساءل البعض: هل تستطيع عدة أمسيات شعرية أو مؤتمرات أكاديمية بالفعل تغيير شيء ما؟
الإجابة الصادقة هي: لا يمكنها أن تغير الأمور بشكل مباشر. فالأمسيات الشعرية لا توقف الحروب، والمؤتمرات الأكاديمية لا تحل الخلافات التجارية.
لكن قيمة الحوار الحضاري لا تكمن في قدرته على حل كل مشكلة فورا، بل في أنه يقدم طريقة مختلفة للتفكير، بعيدا عن منطق الصراع.
فعندما تصل دولتان إلى طريق مسدود على طاولة المفاوضات، فإن غياب المعرفة بالمنطق الثقافي للطرف الآخر يجعل الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة. وعندما يعيش أشخاص من خلفيات دينية وثقافية مختلفة في مجتمع واحد، فإن عدم وجود رغبة في فهم عادات الآخرين قد يؤدي إلى اتساع الفجوات بينهم.
الحوار الحضاري لا يستطيع حل جميع المشكلات، لكنه يوفر أساسا مهما: أن يكون الناس مستعدين للجلوس معا والاستماع إلى بعضهم البعض.
قد يبدو هذا الأمر بسيطا، لكنه في عالم يزداد فيه التوتر والمواجهة، فإن الاستعداد للاستماع أصبح في حد ذاته قيمة نادرة.
حوار بدأ قبل ألفي عام وما زال مستمرا
في عام 139 قبل الميلاد، انطلق مبعوث أسرة هان الصينية تشانغ تشيان من مدينة تشانغآن متجها إلى مناطق الغرب. كانت مهمته البحث عن حلفاء، لكنه عاد بما هو أكثر من نتائج دبلوماسية؛ فقد حمل معه معرفة واسعة عن عوالم بعيدة: كيف يعيش الناس هناك، وما الملابس التي يرتدونها، وما الأطعمة التي يأكلونها، وما المعتقدات التي يؤمنون بها.
ومنذ ذلك الوقت، استمر الحوار على طريق الحرير لأكثر من ألفي عام: رهبان عبروا الجبال والصحارى بحثا عن الكتب المقدسة، وتجار قطعوا المسافات الطويلة لتبادل السلع، وعلماء ترجموا مؤلفات بعضهم البعض.
واليوم، لا يزال ذلك الطريق قائما.
لكنه لم يعد يقتصر على قوافل الجمال ومحطات العبور، بل أصبح يمتد عبر الإشارات الرقمية، وخطوط الطيران، والمؤتمرات الأكاديمية، والمعارض الفنية.
والاختلاف الأكبر هو أن عدد المشاركين في هذا الحوار أصبح أكبر بكثير. فالشعراء، والمبرمجون، والطهاة، والمعلمون، والطلاب الدوليون، والمسافرون... جميعهم يمكن أن يصبحوا جسورا بين الحضارات.
في أحد مقاهي الرياض، قد لا يكون ذلك الرجل السعودي المسن على دراية بمفهوم "مبادرة الحضارة العالمية"، فهو ببساطة يشارك سائحا صينيا طريقة استخدام الشيشة.
وفي أحد متاحف أبوظبي، قد لا يكون أمين المعرض والفنان يدرسان نظريات "التبادل الحضاري"، بل إنهما يناقشان فقط لوحة فنية وما تحمله من معان مختلفة.
لكن هذه الحوارات الصغيرة وغير المخطط لها هي بالضبط ما يصنع الروابط الحقيقية بين الحضارات.
فهي لا تحتاج إلى أن تُكتب في المعاهدات، ولا إلى أن تُسجل في كتب التاريخ.
كل ما تحتاج إليه هو أن تحدث بين إنسان وآخر؛ شخص مستعد للاستماع، وشخص آخر مستعد للمشاركة والحكي.