بقلم الدكتور/ خلف بن مسيب
لم يعد لقب “أديب” في زمننا الراهن ذلك الوسام الذي يُمنح بعد مسيرة طويلة من الكتابة والقراءة والتجربة، بل أصبح—في كثير من الأحيان—كلمة سهلة التداول، يخلعها البعض على نفسه عبر منصات التواصل أو منابر إعلامية لا تتطلب سوى حضور لافت وصوتٍ مسموع. ومع اتساع دائرة النشر، برزت ظاهرة لافتة: شعراء—وخاصة في الشعر النبطي—يقدّمون أنفسهم بوصفهم “أدباء” أو “رواة”، رغم أن نتاجهم لا يتجاوز حدود المحاولة أو التكرار.
ليست المشكلة في الشعر النبطي ذاته؛ فهو لون أصيل من ألوان التعبير العربي، يحمل ذاكرة المكان وصوت الناس، وقد أنجب عبر تاريخه أسماءً كبيرة أثّرت في الوجدان الشعبي. لكن الإشكال يكمن في الخلط بين مجرد كتابة الشعر وبين امتلاك صفة الأديب. فليس كل شاعر أديبًا، كما أن الأدب أوسع من أن يُختزل في أبيات موزونة أو حضور إعلامي عابر.
الأديب، في جوهره، ليس من يكتب فقط، بل من يُنتج معنى. هو من يمتلك رؤية، ويصوغ تجربته بلغة واعية، ويترك أثرًا يتجاوز لحظة القراءة. الأديب لا يُعرّف نفسه بلقبه، بل يُعرّفه نتاجه، ويشهد له القارئ قبل المنبر. أما من يكتفي بتكرار الصور المألوفة، أو اجترار العاطفة دون عمق، أو ملاحقة التصفيق السريع، فإنه—مهما علا صوته—يبقى في دائرة الهواية، لا في فضاء الأدب.
أما لقب “الراوي”، فقد كان في الثقافة العربية القديمة مقامًا رفيعًا، يُطلق على من يحفظ الشعر، ويعرف أنسابه، ويدرك سياقاته، وينقله بأمانة. لم يكن الراوي مجرد مُلقٍ، بل كان ذا معرفة وذاكرة وثقافة. وحين يُستخدم اللقب اليوم بلا هذا العمق، فإنه يفقد معناه، ويتحوّل إلى زينة لفظية لا أكثر.
لا يمكن إنكار أن المنصات الرقمية منحت فرصًا واسعة للظهور، لكنها في الوقت ذاته أضعفت سلطة التقييم، فاختلط الجيد بالرديء، وارتفعت أصوات لا تسندها تجربة حقيقية. ومع ذلك، يبقى الرهان على وعي المتلقي، وعلى الزمن، الذي يُعدّ أصدق ناقد. فالتاريخ الأدبي لا يحتفظ إلا بمن امتلكوا صدق التجربة، وقوة التعبير، واستمرارية العطاء.
إن الأدب ليس لقبًا يُكتب في سيرة ذاتية، بل مسؤولية ومعرفة وتراكم. ومن أراد أن يكون أديبًا حقًا، فعليه أن يبدأ من حيث يبدأ الأدب دائمًا: القراءة العميقة، والصدق في التعبير، واحترام الكلمة. وما عدا ذلك، يبقى مجرد صدىً عابرٍفي ضجيج المنصات........