الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ أغسطس-٢٠٢٦       2860

بقلم -الدكتور أحمد حساني
في أرض مكة المكرمة، حيث تتلاقى القلوب قبل الأجساد، وتُرفع الدعوات قبل الرايات، وُلد اتفاق تاريخي يحمل في طياته أكثر من مجرد بنود دفاعية، إنه اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي جمع المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، ليُعلن عن قيام تحالف وُصف بـ«السد المنيع»؛ سدٍّ يحمي الأمن والاستقرار، ويرسخ مبدأ الردع الجماعي في زمن تتكاثر فيه التحديات.
وقّع الاتفاق في السابع من أغسطس 2026 ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، في إطار قمة مكة المكرمة للدفاع المشترك، ونص الاتفاق صراحة على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعد هجوما عليها جميعا، مع الالتزام بتطوير التعاون الدفاعي والعسكري والاستخباراتي، ورفع الجاهزية، وتعزيز الصناعات الدفاعية المشتركة.
تأتي قوة اتفاقية مكة للدفاع المشترك تنبع من تكامل
أطرافها: السعودية بثقلها السياسي، وقوتها الجوية، ودفاعاتها المتقدمة، وموقعها في قلب معادلة الطاقة والممرات البحرية، ومكانة دينية عالمية، وتركيا بقدراتها العسكرية المتقدمة وصناعاتها الدفاعية المتنامية، وفي المقابل باكستان بقوتها البشرية والعسكرية، بما في ذلك قدراتها النووية.
يربط التحالف نحو 380 مليون نسمة، واقتصادات تُقدر بنحو 3.3 تريليون دولار، ويمتد جغرافيا من البحر الأحمر والخليج العربي مرورا بشرق المتوسط وصولا إلى بحر العرب والمحيط الهندي، هذا الامتداد يمنح التحالف بعدا جيوسياسيا فريدا، ويجعله قادرا على الإسهام في تحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي، وتعزيز مبدأ التضامن الإسلامي في مواجهة التهديدات المشتركة.
تكمن القيمة الحقيقية للاتفاق في تحوله من مجرد تنسيق ثنائي أو ثلاثي إلى منظومة ردع جماعي حقيقية، فهو لا يكتفي بالرد على العدوان، بل يسعى إلى منعه أصلا من خلال رفع تكلفة أي مغامرة عدائية ضد أي من أطرافه، كما يفتح الباب أمام تعاون أعمق في التدريب المشترك وتبادل المعلومات وتطوير القدرات الدفاعية، مما يعزز الاستقلال الأمني للدول الثلاث ويقلل الاعتماد على أطراف خارجية في لحظات الأزمات.
رمزية لا تُضاهى في  اختيار مكة المكرمة موقعا للتوقيع فهي ليس تفصيلا بروتوكوليا، بل رسالة حضارية ودينية عميقة، فمكة ليست مجرد مدينة، بل رمز للوحدة الإسلامية والتلاقي حول قيم الحق والعدل والأمن، توقيع اتفاق دفاعي على هذه الأرض المباركة يضفي عليه بعدا أخلاقيا ومعنويا، ويحوله من وثيقة سياسية إلى عهد يرتبط بقدسية المكان وروح الأخوة الإسلامية.
هذا البعد الرمزي يمنح التحالف شرعية معنوية إضافية، ويجعله أقرب إلى قلوب الشعوب المسلمة التي ترى في مكة مرجعيتها الروحية الأولى، كما يؤكد أن الأمن والاستقرار ليسا مجرد مصالح دول، بل مسؤولية مشتركة تنطلق من قيم الإسلام في حماية الأنفس والأوطان والمقدسات.
يُوصف هذا التحالف بـ«السد المنيع» لأنه يجمع عناصر القوة الصلبة والناعمة، هو سدٌّ يمنع تدفق الفوضى والتهديدات، ويحمي مكتسبات الشعوب واستقرارها، وهو في الوقت نفسه نواة محتملة لتوسيع دائرة التعاون الأمني بين الدول الإسلامية، بما يخدم قضايا الأمة ويصون سيادتها.
في عالم يشهد تحولات سريعة وتحديات متعددة الأوجه، يبرز اتفاق مكة كخطوة واعية ومسؤولة نحو بناء منظومة أمن جماعي قائمة على الاحترام المتبادل والردع المتوازن.
إنه ليس تحالفا ضد أحد، بل تحالفا من أجل الجميع من أجل الأمن، ومن أجل الاستقرار، ومن أجل مستقبل أكثر أمنا وازدهارا للشعوب الثلاثة وللمنطقة بأسرها.
هكذا وُلد تحالف السد المنيع على أرض مكة المكرمة، عهدا وميثاقا، ودرعا يحمي، وأملا يُبنى.