الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ مايو-٢٠٢٦       5665

بقلم-أحمد صالح حلبي 
شكلت مكة المكرمة وتوجه المسلمون صوبها في اليوم خمس مرات ، وحرصهم على زيارتها لأداء فريضة الحج هدفا للحكومات الاستعمارية لمعرفة أسباب هذا الإصرار ، وتحمل الحجاج لمشاق السفر التي تمتد لعدة أشهر ، فعملوا على تجنيد أشخاص وتدريبهم ليتمكنوا من الوصول إلى مكة المكرمة على هيئة حجاج لتدوين ونقل ما يرونه . 
وعلى اثر ذلك ظهرت الرحلات المحرمة وهي  رحلات قام بها عدد من  الأوروبيين المسيحيين إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة خلسة إما جواسيس أرسلوا من قبل دولهم بهدف التعرف على الحياة الاجتماعية والاقتصادية بمكة المكرمة ، والمدينة المنورة ، ومعرفة الأسباب التي تجعل المسلمون يتحملون مشقة السفر الطويل للوصول إليها لأداء فريضة الحج  ، أو كانوا أسراء أو عبيد اقتيدوا مجبرين . 
وفي  الجزء الثالث من كتابه جمهرة الرحلات ( 3 ) الرحلات المحرمة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة ، أحصى الأستاذ / أحمد محمد محمود ، هذه الرحلات التي امتدت خلال الفترة من 1503 ـــ 1948 بـــ  54 رحلة تناول بالعرض والتحليل اثنان وعشرون منها من خلال كتابه .
وكان الرحالة الإيطالي فارتيما لودفيكو دي ، أول أوروبي غير مسلم زار مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وحتى لا يكشف أمره لجأ لتسمية  نفسه بــ " الحاج يونس المصري " ، ويقال أنه  انضم  لقافلة الحج  القادمة من دمشق من  دمشق في 11 أبريل1503م (908هـ) ، فتوجه إلى  المدينة المنورة ثم مكة المكرمة فالمشاعر المقدسة لأداء مناسك الحج، ودون فارتيما الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الحجاز خلال العهد المملوكي ، واصفا معالم مكة المكرمة، والمسجد الحرام، والكعبة المشرفة ، وقبة زمزم، وحرص في الفصل الأخير من كتابه ( رحلات فارتيما ) على وصف رحلته داخل مكة المكرمة بشكل دقيق فذكر  شوارعها وأزقتها وحركة الحجيج بها ، وذكر تعجبه من أعداد الحجاج قائلا  : " لم أجد مطلقاً من قبل مثل هذا العدد من الناس يجتمع في بقعة واحدة من الأرض " . 
ويرى البعض أن وصفه لم يكن دقيقاً في بعض الجوانب ، وشككت بعض الدراسات النقدية في بعض ما ذكره ، حيث يرى البعض أنه وصف بناءً على ما نُقل إليه في بعض المواضع ، غير أن رحلته التي تضمنها كتابه "رحلات فارتيما" تعد واحدة من أقدم "الرحلات المحرّمة" إلى مكة المكرمة . 
ويأتي الرحالة والجاسوس الاسباني  دومينغو فرانثيسكو باديا، الذي عرف باسم علي باي العباسي ، كأول أسباني غير مسلم يدخل مكة المكرمة ، إذ وصلها خلال الفترة من 1803-1807، متقمصاً مظهر الرجل التقي المسلم، فتعرف على عادات الشعوب في مصر والمغرب وسورية ولبنان وفلسطين، وأصدر أول كتاب له عام 1814 بعنوان « رحلات علي باي العباسي في إفريقيا وآسيا خلال الأعوام 1803-1807 « باللغة الفرنسية في ثلاثة أجزاء، وأهداه إلى لويس الثامن عشر ملك فرنسا، وضم الكتاب مجموعة كبيرة من الخرائط والرسوم التي نفذها بنفسه، وفي عام 1816 ظهرت الترجمة الإنجليزية للكتاب في جزأين تحت اسم «رحلات علي باي في المغرب وطرابلس وقبرص ومصر والجزيرة العربية وسورية وتركيا بين الأعوام 1803 - 1807 كما ترجم الكتاب إلى الألمانية ثم إلى الإيطالية في عام 1816، وظهر الكتاب باللغة الإسبانية عام 1836 باسم المؤلف الحقيقي دومينغو فرانثيسكو باديا . 
وكتب في  مذكراته : " إنَّ الإنسان لا يستطيع أن يكوِّن فكرة عن ذلك المنظر المهيب الذى يبدو في مناسك الحجِّ بصورة عامَّة إلا بعد الوقوف على جبل عرفات، فهناك حشد من الرجال الذين لا يُحصى لهم عدد، وهم من جميع الأمم، ومن جميع الألوان، وقد أتَوْا من أركان المعمورة على الرغْم من المخاطر والأهوال لعبادة الله، فالقفقاسى يمد يده للحبشى أو الإفريقى أو الهندى أو العجمي، ويشعر بشعور الأخوة مع الرجال من البرابرة من سواحل مراكش، وكلهم يعُدُّون أنفسهم إخوانًا أو أعضاء في أسرة واحدة ".
أما جوهان وايلد الأسير الألماني الذي وقع في أسر الجيش التركي أثناء أدائه للخدمة العسكرية بالجيش الإمبراطوري في المجر، واقتيد إلى القسطنطينية عام 1604، ، وبيع في سوق الرق بعد وصوله ثم بيع إلى تاجر آخر اقتاده إلى مصر، ليباع مجدداً لتاجر فارسي أخذه معه في رحلة الحج إلى مكة المكرمة عام 1607م، فأطلق عليه المستشرق الأسير، ووجد في رحلته للحج فرصة يدون فيها العديد من المشاهدات عن مكة المكرمة والحياة الاجتماعية والاقتصادية بها، ويحمل معلومات عن هذه المدينة المقدسة لدى المسلمين، عن رحلة الحج التي كان الغرب يبحث عن معرفة تفاصيلها وأسرارها، واستطاع أن ينقل للغرب ما كانوا يحتاجون إليه من معلومات، كما نقل ما يعانيه الحجاج في رحلتهم من مشاق، وبرز ذلك في قوله: «إن الحجاج الذين رافقهم عانوا في الطريق معاناة كبيرة، ومات منهم عدد عظيم، ونفق من الجمال أعداد لا تحصى»، في إشارة منه لما تعرضوا له بعد ثلاثة أيام من مغادرة القافلة لينبع، حيث هوجمت قافلتهم وقتل منها نحو ثلاثمائة حاج وخمسمائة جمل، مما اضطر قائد القافلة لتغيير طريقها بين الجبال الوعرة، حتى وصلت إلى مكة المكرمة، كما تناول معاناة الحجاج بعدم توفر المياه الصالحة للشرب.
ويقال إن وايلد أبدع في وصف الحجاج وهم يطوفون حول الكعبة المشرفة، ويقبلون الحجر الأسود ويصلون خلف المقام، ويشربون ماء زمزم، كما أبدع في وصف رائحة العطور بالقرب من المسجد الحرام وجاءت عبارته «يا لروعة هذه الروائح الزكية التي شممتهـا في هذا المكان فتبعث في النفس انتعاشاً وبهجـة»، تأكيداً لها.
وفد تناول وصف تحركات الحجاج إلى المشاعر المقدسة، وصعودهم إلى جبل الرحمة بعرفات يوم التاسع من ذي الحجة، ثم نفرتهم لحظة الغروب إلى مزدلفة ومنها إلى منى، ورمي الجمار، وذبح الهدي والأضاحي، وطواف الإفاضة.
كما تناول وصف مكة المكرمة ولحظة وصوله لها، تناول رحلته إلى المدينـة المنـورة، حيث قال: «إنه بعد أدائهم ـ أي الحجاج ـ لمناسك الحج، توجهوا بصحبة القافلة إلى المدينة المنورة، إذ لا يمكن لشخصين أن يسيرا وحدهما لصعوبة الطريق وغياب الأمن والأمان به»، وهذا ما يؤكد غياب الأمن بطرق الحجيج خلال الحقبة الزمنية الماضية.
كما كتب وايلد وصفاً دقيقاً للحظة وصوله للمدينة المنورة، ودخوله للمسجد النبوي قائلاً: «وصلنا المدينة المنورة ووقفنا أمام غرفة مغلقة تزدان بشبكة من الحديد والنحاس المشغول، ـ يقصد الحجرة النبوية ـ لم يكن مسموحاً لأحد بالدخول وظل الحجاج يرددون الأدعية»، كما وصف القناديل التي تزين المسجد.
وحرص على تضمين يومياته بعض المعلومات عن التعاملات التجارية، والحياة الاجتماعية للسكان، وعادات الزواج والختان، كما تطرق للملابس التي كان يرتديها السكان.
وجاءت تفاصيل رحلة يوهان وايلد في مذكراته التي كتبها بعنوان «تقرير رحلة لأسير مسيحي»، التي بدأت من نورمبرج عام 1604، وانتهت في نورمبرج عام 1611م، وطبعت عام 1613م، ثم أعيدت طباعتها عام 1623م.
فيما قال جوزيف بيتس البحار الإنجليزي الذي وقع في أسر قراصنة البربر ، وبيع كعبد في الجزائر عام 1678 ، وأُجبر على اعتناق الإسلام ، واطلق على نفسه اسم "الحاج يوسف " ، عن مكة المكرمة  " دخلتُ من شارع واسع يتوسط مبانٍ تتناثر على يمينه ويساره، ويؤدي هذا الطريق إلى الحرم مباشرة، حتى دخلت الحرم المكي من باب السلام " ، وحينما رأى الطائفون حول الكعبة المشرفة قال  " لقد كان مشهدًا يخلب اللُّبَ حقًا أن ترى هذه الآلاف المؤلفة في لباس التواضع والتجرد من ملذات الدنيا، برؤوسهم العارية وقد بللت الدموع وجناتهم، وأن تسمع تضرعاتهم طالبين الغفران والصفح لبدء حياة جديدة " .
ويعتبر المستشرق الإنجليزي ريتشارد بيرتون الذي جاء لمكة المكرمة متخفيا تحت اسم الشيخ عبدالله ، ودخلها في سبتمبر  1855 م بتكليف من الجمعية الجغرافية الملكية بلندن ، من أذكى المستشرقين إذ استطاع توظيف ذكائه في كسب صداقات جيدة مكنته من دخول الكعبة المشرفة . 
وكتب في تقريره " لقد رأيت شعائر دينية في بقاع كثيرة من الأرض، لكنني لم أر أبدًا ما هو أكثر وقارًا وتأثيرًا مما رأيته هنا " ، ويقصد مكة المكرمة .
 تلك كانت بعض رحلات المستشرقين لمكة المكرمة وما دونهم عن رحلات حجهم .