بقلم-عمر السيد
لم تعد بعض مناسبات الزواج في مجتمعنا مجرد افراح عائلية بريئة ولا احتفالات اجتماعية تعبر عن البهجة والكرم والأصالة بل تحول بعضها وللأسف الشديد الى مشاهد مستفزة وممارسات دخيلة لا تمت الى عاداتنا ولا الى تراثنا ولا الى قيمنا بصلة
إن ما نشاهده في بعض المناسبات وخصوصا الزواجات من مظاهر غريبة وسلوكيات مستوردة لا يمكن تبريره باسم التطور ، ولا تجميله تحت شعار الفرح ولا السكوت عنه بحجة ان الناس احرار في مناسباتهم ، فحرية الفرح لا تعني تشويه الذوق العام ولا تعني العبث بصورة المجتمع ولا تعني استبدال الوقار بالأداء الاستعراضي والأصالة بالتقليد والفرح بالفوضى
لقد كانت مناسباتنا في أصلها عنوانا للستر والوقار واجتماع القلوب على الفرح والدعاء والمباركة ، اما اليوم فقد تسللت الى بعضها مظاهر لا تشبهنا .. مبالغات لا معنى لها وتصرفات مسرحية وتقليعات لا أصل لها وتنافس محموم على لفت الأنظار حتى فقدت المناسبة روحها ومعناها
والأخطر من ذلك أن هذه الظواهر لا تقف عند حدود المناسبة نفسها بل تتحول مع الوقت إلى نموذج اجتماعي مقلد ، يتلقفه الصغار والشباب على أنه موضة أو تحضر بينما هو في حقيقته انسلاخ ناعم من الهوية وتشويه صريح للموروث وتفريغ للمناسبات من قيمتها الاجتماعية الأصيلة
إن المجتمع الذي يسمح للعادات الدخيلة أن تتصدر مناسباته ثم يصمت هو مجتمع يفرط تدريجيا في ملامحه ، والمجتمع الذي يجامل الخطأ حتى يصبح مألوفا سيجد نفسه لاحقا مضطر للدفاع عن بديهيات كان يجب ألا تُمس اصلا
ونستشهد من رؤية 2030 خير مثال ، حيث تمضي في مشروع وطني عظيم لا يبني المستقبل على أنقاض الهوية بل يجعل الاعتزاز بالتراث والموروث والهوية الوطنية ركيزة من ركائز التنمية ، وقد جاء تدشين ودعم المراكز والهيئات الوطنية المعنية بالتراث والثقافة والفنون التقليدية تاكيدا واضحا على أن الهوية ليست شعارا للاستهلاك ، بل مسؤولية وطنية ومجتمعية
فكيف نقبل في الوقت الذي تبذل فيه الدولة جهودا كبرى لحماية الموروث وتعزيز الهوية ، ان تتحول بعض مناسباتنا الى ساحات لمظاهر مستوردة تعبث بصورة المجتمع وتطمس ملامحه الأصيلة؟وكيف نطالب الأجيال بالاعتزاز بتراثها ، ونحن نسمح أمامها بتقديم نماذج مشوهة لا علاقة لها بتاريخنا ولا بقيمنا؟
إن الواجب اليوم لا يحتمل المجاملة ، على المثقفين وأهل الرأي والوجهاء والإعلاميين والتربويين وأصحاب التأثير الاجتماعي أن يقولوا كلمتهم بوضوح ، ليست كل ظاهرة قابلة للقبول وليست كل موضة جديرة بالاتباع وليست كل ممارسة دخيلة يمكن تمريرها تحت عنوان الخصوصية او الفرح
إن إعادة الاعتبار لمناسباتنا الأصيلة ليست دعوة للانغلاق ، بل دعوة للوعي وليست رفضا للتطور بل رفض للفوضى والذوبان ، فالأمم الحية لا تقيس تقدمها بمقدار ما تستورده من مظاهر الآخرين بل بقدرتها على أن تتقدم وهي متمسكة بجذورها ومعتزة بقيمها وواثقة بخصوصيتها
لقد آن الأوان أن نراجع هذه الظواهر بجدية وأن نواجهها اجتماعيا قبل أن تتحول إلى واقع يصعب تغييره فالمناسبات ليست مساحة عابرة للعبث بالهوية بل مرآة صادقة لما يحمله المجتمع من قيم ووعي وذوق
ومن لا يحمي هويته في تفاصيله الصغيرة لن يستطيع الدفاع عنها في قضاياه الكبرى