النهار
بقلم غازي العوني
ربما نختلف أو نتفق، لكن ستبقى الحقيقة ساطعة كالشمس، لا تحجبها سحب الجدل ولا ظلال العصبية. حقيقة تحمل الضياء للإنسانية عبر قرون ممتدة من الزمن، رسالة من الحكمة والرحمة، نزلت في تعاليم ربانية من جيل إلى جيل، من أجل إعمار الأرض وبناء فكر إنساني يرتقي بكل خير.
منبع واحد وروافد متعددة
الرسالة الإبراهيمية ليست غريبة عن وجدان البشر، بل هي الأصل الذي تشعبت منه الروافد. فهي دعوة واحدة في جوهرها، وإن اختلفت صيغها وتجلياتها عبر العصور. جاءت لتؤكد أن الإنسان مكرم بفطرته، وأن العقل نعمة لا يُهمل، وأن الضمير ميزان لا يُمال. ومن هذا المنبع انطلقت قيم العدل والرحمة والصدق وحفظ النفس والمال والعرض، فكانت كالماء العذب الذي سقى حضارات متعاقبة وأممًا مختلفة.
بين الكتب وبقايا العلوم
مع مرور الزمن، حملت أمم كثيرة في طيات حضارتها بقايا من علوم ومعارف تعود في أصولها إلى تلك الرسالة. كتبٌ ومخطوطات، وحكمٌ وأمثال، وتعاليم أخلاقية صارت جزءًا من التراث الإنساني المشترك. وهي اليوم شاهد على أن الحقيقة لا تموت، بل تنتقل من وعاء إلى وعاء، ومن لغة إلى لغة، ومن جيل إلى جيل، حتى تصعد بنا إلى سماء المعرفة على أرض من الأمن والسلام.
الرسالة لا تُقصي ولا تُقصى
الرسالة الإبراهيمية لا تُقصي أحدًا ولا تُقصى عن أحد. فهي لا تعني ذوبان الهويات ولا إلغاء الخصوصيات، بل تعني احترام الإنسان لما اختاره لنفسه من دين ومعتقد، على مبدأ "لا إكراه في الدين". فالإكراه يطفئ نور العقل، والحرية هي التي تشعل مصباح الكرامة. وهكذا تكون الرسالة جسرًا بين الناس، لا سورًا يفصلهم، وحبلًا يجمعهم، لا حاجزًا يفرقهم.
ضياء في زمن التفرق
نحن اليوم في زمن كثرت فيه المعسكرات وتضخمت فيه الخطابات التي تحول الاختلاف إلى صراع والتنوع إلى تهديد. وفي هذا المشهد يأتي ضياء الرسالة الإبراهيمية ليذكرنا أن التنوع ليس لعنة، بل هو آية من آيات الخلق. وأن التعايش السلمي ليس ضعفًا، بل هو قوة حضارية تُبنى عليها الأمم، وتُحفظ بها المجتمعات من الانهيار.
فالمحافظة على هذا الضياء ليست مسؤولية فئة دون أخرى، بل هي أمانة في عنق كل إنسان يؤمن بأن كرامة الإنسان فوق كل اعتبار، وأن التعاون الأخلاقي هو الطريق الوحيد لضمان مستقبل آمن للإنسانية المشتركة.
من الأمس إلى اليوم وإلى الغد
ما كان بالأمس نورًا يهدي القلوب، هو اليوم نور يهدي العقول، وسيبقى غدًا منارة للأجيال القادمة. فالرسالة الإبراهيمية ليست نصًا محفوظًا في كتاب فحسب، بل هي مشروع حي يُعاش في السلوك والمعاملة. مشروع يقوم على أن نعمر الأرض بدل أن نخربها، وأن نبني الإنسان بدل أن نهدمه، وأن نجعل من الأرض ساحة للحياة لا ساحة للصراع.
وهكذا تبقى الرسالة الإبراهيمية ضياءً لا ينطفئ، وشمسًا لا تغيب، تشرق كلما احتاج الإنسان إلى تذكير بأصله الواحد، ومصيره المشترك، وقيمه الخالدة.