النهار
بقلم ـ عبد الله الكناني
تعودُ، في لحظات التوتر الإقليمي، إلى الواجهة دعواتٌ تبدو في ظاهرها منطقية، لكنها في جوهرها أقرب إلى الأمنيات منها إلى المشاريع القابلة للتنفيذ.
تبرزُ من بين هذه الدعوات فكرةُ تشكيل "قوة أمنية عربية مشتركة" وصفها حلاً شاملاً للتحديات المتصاعدة، غير أن القراءة المتأنية لطبيعة الصراعات الحديثة، ولواقع النظام العربي، تكشف أن هذه الفكرة، بصيغتها التقليدية، لم تعد في رأيي ذات جدوى حقيقية.
تُحسمُ الحروبُ في عصرنا الحاضر بامتلاك أدوات التفوق النوعي، لا بالكثرة العددية ولا بحجم الجيوش التقليدية،غير المواكبة في تسلحها وتدريباتها العلمية ،ففي حين تتقدمُ التكنولوجيا العسكرية، والقدرات السيبرانية، وأنظمة الدفاع الذكية، وسرعة اتخاذ القرار، لتكون هي الفاصل الحقيقي في موازين القوة،تتغيرُ المعادلات؛ فلا يعود "الكم" هو الفيصل، بل "النوع"، ولا يصبح الانتشار الواسع ضماناً للنصر، بل القدرة على الضرب الدقيق، والردع المتقدم، وإدارة المعركة معلوماتياً وتقنياً.
يبدو الرهانُ على تشكيل قوة عربية تقليدية، قائمة على جمع جيوش متعددة التوجهات والعقائد القتالية، رهاناً على نموذج تجاوزه الزمن ،حيث لا تنتظرُ التحديات الأمنية الراهنة توافقات بيروقراطية معقدة، ولا تحتمل بطء القرار الجماعي، بل تتطلب مرونة عالية واستجابة فورية، وهو ما يصعب تحقيقه في إطار منظومة تعاني أصلاً من تباينات سياسية واستراتيجية عميقة.
يثبتُ الواقعُ العملي والنظري أن غياب تعريف موحّد للتهديد يُفرغ أي تحالف من مضمونه،ويطرحُ السؤال نفسه: كيف يمكن بناء قوة مشتركة دون اتفاق على العدو؟ وكيف يمكن تنسيق عمل عسكري بين دول تختلف في أولوياتها، بل وفي رؤيتها لطبيعة المخاطر؟ يكشفُ هذا التباين جوهر الإشكال الذي يُفشل أي مشروع جماعي من هذا النوع.
واقعُ الحال يجعلُ عدد من الدول العربية، بما يعانيه من هشاشة سياسية أو أمنية أو اقتصادية، فكرةَ الاندماج العسكري الشامل أقرب إلى العبء منها إلى الحل، فالتحالفات القوية تُبنى على دول مستقرة تمتلك مؤسسات راسخة واقتصادات قادرة على تمويل الاستدامة العسكرية، لا على كيانات تعاني من اختلالات داخلية متعددة.
كما أن العاملُ الشعبي يُعقّدُ المشهدَ أكثر، إذ تُسهمُ الخطابات الأيديولوجية المتراكمة، التي غذّتها أدوات التوجيه لعقود، وتعيد إنتاجها اليوم منصات التواصل، في تشكيل وعي جمعي متباين داخلياً، بل ومتناقض أحياناً تجاه قضايا الأمن والتحالفات، مع محاولات لتصدير هذا التباين خارجياً، هذه الحالة تضعُ بعض الحكومات أمام معادلة دقيقة بين مقتضيات الأمن القومي وضغوط الشارع الذي لا يشاركها بالضرورة ذات الرؤية.
دول مجلس التعاون الخليجي تُقدّمُ نموذجاً عملياً مختلفاً في إدارة التحديات الأمنية فهذه الدول تواجهُ استهدافات متكررة، لكنها لا تنجرّ إلى ردود فعل انفعالية أو مغامرات عسكرية واسعة، رغم امتلاكها قدرات ردع متقدمة.
فقد اختارت نهجاً يقوم على بناء قوة نوعية، ترتكز على أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا العسكرية، ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة، والشراكات الاستراتيجية المدروسة.
يعكسُ هذا النهج فهماً عميقاً لطبيعة الصراع المعاصر؛ فالقوة لم تعد في إطلاق النار، بل في القدرة على منعه، ولم تعد في استعراض السلاح، بل في توظيفه بحكمة.
ينسجمُ هذا التوجه مع الرؤية السعودية والخليجية التي توازن بين الحزم وضبط النفس، وتدرك أن التصعيد ليس خياراً حتمياً، حتى في مواجهة تهديدات مباشرة، وأن حماية الاستقرار الإقليمي تتطلب إدارة واعية للأزمات لا توسيعها.
يتعاملُ هذا النهج مع التهديدات الإقليمية، بما فيها السياسات العدائية الإيرانية، عبر استراتيجيات ذكية تُضعف مصادر الخطر دون الانزلاق إلى فوضى مفتوحة، يقرأُ الواقع الداخلي في إيران بوصفه عاملاً إضافياً يفرض الحذر، لا الاندفاع، ويعززُ خيار الردع المحسوب بدل المواجهة الشاملة.
الأمنُ القومي العربي، يُبنى في صورته الواقعية، على التكامل النوعي لا على الاندماج الشكلي. يتجسدُ ذلك في تنسيق استخباراتي فعّال، وشراكات تقنية متقدمة، وتوحيد معايير الدفاع السيبراني، وتبادل الخبرات والمعلومات.
تُثبتُ هذه الأدوات، رغم هدوئها، أنها أكثر فاعلية واستدامة من الطروحات التقليدية التي تركز على الحشد العددي.
يتمثلُ التحدي الحقيقي في تجاوز الإصرار على قوالب قديمة لم تعد تناسب طبيعة المرحلة، فالعالم يتغير، وتتطورُ الحروب، ومن لا يواكب هذا التحول يظل أسير أفكارٍ تبدو جذابة في ظاهرها، لكنها عاجزة في واقعها.
تُختصرُ المعادلة اليوم بوضوح: القوة ليست في الحشد، بل في التفوق؛ وليست في العدد، بل في القدرة.