النهار

٠١ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ يونيو-٢٠٢٦       2530

بقلم ـ غازي العوني

الكرامة الإنسانية هي النقطة التي يبدأ منها كل نقاش أخلاقي سليم، وهي المعنى الذي لا يصح أن يكون محل مساومة أو تصويت. ليست  الكرامة  نتيجة توصل إليها البشر بعد تراكم التجارب، بل هي الأساس الذي يجعل للتجارب معنى. حين نقول إن الإنسان له كرامة فنحن نقر أن له قيمة ذاتية لا ترتبط بما يملك أو ينتج أو يعتقد، بل ترتبط بكونه إنسانًا فقط. هذه القيمة تسبق القانون وتسبق العرف وتسبق الرغبات، ومنها نستمد كل مبدأ نعتبره عادلًا أو نبيلًا.

 

الخطأ الذي تقع فيه المجتمعات حين تخلط بين  الكرامة  والرغبة هو أنها تجعل المتغير حاكمًا على الثابت. الرغبات تتبدل بتبدل المصلحة واللحظة والمزاج، بينما  الكرامة  ثابتة لا تتغير بتغير الأذواق. الرغبة تقول أريد، أما  الكرامة  فتسأل هل ما تريده يحفظ إنسانيتك ويحفظ إنسانية غيرك. بهذا المعنى تصبح  الكرامة  هي الإطار الذي تتحرك داخله الرغبات، وهي الحد الذي يمنع تحول الحرية إلى اعتداء وتحوّل القوة إلى تسلط. عندما نرفع الرغبة فوق  الكرامة  نفقد القدرة على التمييز بين الخير والشر، لأن كل شيء يصبح مبررًا ما دام هناك من يشتهيه، ويصبح ميزان الحكم هو القدرة على فرض الأمر الواقع لا صواب الأمر ذاته.

 

الحياة الكريمة التي نتحدث عنها ليست رفاهية زائدة ولا ترفًا فكريًا، إنها تعني أن يكون للإنسان مساحة لا تُنتهك في جسده وعقله واختياره، وأن يُعامل بوصفه غاية لا وسيلة لمشروع الرغبات والأهواء. هذا الاعتبار هو ما يعطي للعدل معناه، فالعدل ليس إلا الاعتراف بأن الآخر يساويك في جوهر القيمة مهما اختلف عنك في اللون أو الرأي أو الطبقة. وهو ما يعطي للحرية شرفها، لأن الحرية المحترمة هي التي تنطلق من إدراك أن الإنسان مسؤول، وأن اختياره له وزن لأنه صادر عن كائن له كرامة. وحتى الصدق والرحمة يستمدان قوتهما من الكرامة، فأنا أصدق معك لأني أحترم عقلك، وأرحمك لأني أرى في ضعفك وجهًا من ضعفي الإنساني المشترك.

 

  المحافظة على الإنسانية تعني وضعها في نصابها الصحيح. الرغبة طاقة، لكنها تحتاج إلى بوصلة، والبوصلة هي الكرامة. الهوى دافع، لكنه يحتاج إلى لجام، واللجام هو الإدراك أن هناك ما هو أثمن من الإشباع اللحظي. المجتمعات التي تحترم نفسها لا تسأل فقط ما الذي نستطيع فعله بالتقنية أو بالمال أو بالقانون، بل تسأل قبل ذلك ما الذي يليق بالإنسان. هذا السؤال هو ما يصنع الفرق بين الحضارة والفوضى.

 

الكرامة إذن ليست فكرة مجردة نتزين بها في الشعارات، بل هي عقد اجتماعي صامت يقول إننا اتفقنا على أن نحمي في كل فرد شيئًا لا يُمس. إذا حافظنا على هذا العقد، استقامت بقية القيم من تلقاء نفسها. وإذا خنّاه، فلن ينفعنا بعد ذلك كثرة القوانين ولا ضخامة الشعارات، لأننا نكون قد هدمْنا الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء.