النهار
بقلم ـ عبدالله الكناني
جسّد موسم حج 1447هـ صورةً مشرقةً لقدرة المملكة العربية السعودية على التخطيط الاستراتيجي المحكم، والإدارة الاحترافية المتقنة، والتنفيذ الميداني الدقيق، في واحدةٍ من أعظم العمليات التنظيمية والإنسانية التي يشهدها العالم سنويًا. فما تحقق من نجاح استثنائي في هذا الموسم لم يكن وليد الصدفة، ولا نتاج جهودٍ آنية، بل ثمرة رؤيةٍ قياديةٍ بعيدة المدى، وتخطيطٍ مبكر، وعملٍ مؤسسيٍ متكامل شاركت فيه مختلف القطاعات الحكومية والأمنية والخدمية والصحية والتطوعية والإعلامية، تحت رعاية واهتمام القيادة الرشيدة التي جعلت خدمة ضيوف الرحمن شرفًا وواجبًا ورسالةً وطنيةً وإنسانيةً سامية.
وفي هذا العام كما هي الأعوام السابقة،أكدت المملكة مرةً أخرى مكانتها العالمية الرائدة في إدارة أكبر تجمع بشري دوري على وجه الأرض، من خلال منظومة متكاملة سخّرت أحدث العلوم والمعارف والتقنيات والأنظمة الذكية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وإدارة الحشود، بما مكّن ملايين الحجاج من أداء مناسكهم في أمنٍ وطمأنينة، ويسرٍ وسكينة، وبيئةٍ تنظيميةٍ تُعد نموذجًا عالميًا يُحتذى به.
كل الجهات المشاركة تستحق الإشادة والتقدير، وفي مقدمتها تأتي اللجنة العليا للحج برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية، التي قادت منظومة العمل في الحج بكفاءة واقتدار، وأسهمت في توحيد الجهود وتنسيق الخطط بين مختلف القطاعات، ومتابعة التنفيذ ميدانيًا، بما ضمن انسجام الأداء ودقة الإنجاز وتحقيق المستهدفات المرسومة.
كما يبرز الدور القيادي والميداني المعتاد لصاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة رئيس اللجنة الدائمة للحج والعمرة، وصاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز نائب أمير منطقة مكة المكرمة نائب رئيس اللجنة، إلى جانب صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز أمير منطقة المدينة المنورة، وصاحب السمو الملكي الأمير نهار بن سعود نائب أمير منطقة المدينة المنورة، حيث تجلت جهودهم في الإشراف المباشر على تنفيذ الخطط ومتابعة الخدمات وتنسيق أعمال الجهات كافة، بما انعكس على جودة الأداء وسرعة الإنجاز ورفع كفاءة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن.
وقدسجلت القطاعات الأمنية بمختلف تخصصاتها حضورًا استثنائيًا في إدارة الحشود، وحفظ الأمن، وتنظيم الحركة المرورية، وتأمين المشاعر المقدسة والمنافذ والمرافق الحيوية، مستفيدةً من أحدث أنظمة المراقبة والتحكم والتقنيات الذكية، الأمر الذي أسهم في المحافظة على أمن الحجاج وسلامتهم وانسيابية تنقلاتهم بين المشاعر المقدسة.
أما القطاع الصحي، فقد قدّم نموذجًا عالميًا متقدمًا في طب الحشود، حيث أعلنت وزارة الصحة نجاح خطتها الصحية لموسم الحج، وقدمت أكثر من (2.5) مليون خدمة صحية لضيوف الرحمن، دون تسجيل أي تفشيات وبائية أو مؤثرات على الصحة العامة، في إنجاز يعكس جاهزية المنظومة الصحية وكفاءة كوادرها البشرية وإمكاناتها التشغيلية المتقدمة.
كما برزت جهود وزارة الحج والعمرة في إدارة رحلة الحاج منذ لحظة وصوله إلى المملكة وحتى مغادرته، مستفيدةً من المنصات الرقمية والخدمات الذكية التي أسهمت في تسهيل الإجراءات وتحسين تجربة الحاج ورفع جودة الخدمات المقدمة له. وكان لمبادرة «طريق مكة» أثرٌ بالغ في اختصار الوقت والجهد على ضيوف الرحمن في الدول المستفيدة من المبادرة، حيث أتاحت إنهاء الإجراءات قبل مغادرة أوطانهم، بما يعكس مستوى التطور الذي بلغته منظومة خدمات الحج.
كما شهدت خدمات نقل الأمتعة وتسلّمها هذا العام تطورًا ملحوظًا أسهم في تعزيز راحة الحجاج ورفع مستوى رضاهم.
ولا يمكن إغفال الأدوار الحيوية التي قامت بها وزارات النقل والخدمات اللوجستية، والبلديات والإسكان، والموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والطاقة، والاتصالات وتقنية المعلومات، وهيئة الهلال الأحمر السعودي، والدفاع المدني، والهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، والمياه،وسائر الجهات الحكومية والخاصة التي عملت ضمن منظومة واحدة بروح الفريق الواحد.
في الجانب المجتمعي، قدّم آلاف المتطوعين والمتطوعات والكشافة ومؤسسات المجتمع المدني نماذج مشرقة في البذل والعطاء وخدمة ضيوف الرحمن، حيث شارك عشرات الآلاف منهم في تقديم الخدمات الإنسانية والإرشادية والتنظيمية والصحية، مجسدين القيم الأصيلة للمجتمع السعودي في الكرم والعطاء والتطوع وخدمة الآخرين.
كما كان لحملات الحج ومقدمي الخدمات ومؤسساتها المختلفة دورٌ مهم في إنجاح الموسم، من خلال الالتزام بالخطط التشغيلية ورفع مستوى جودة الخدمات المقدمة للحجاج، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 وتطلعاتها نحو الارتقاء المستمر بخدمة ضيوف الرحمن.
وشكلت بتوفيق الله غرف القيادة والتحكم والسيطرة إحدى أبرز قصص النجاح في موسم الحج، حيث أدارت العمليات لحظةً بلحظة عبر أنظمة تقنية متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة والكاميرات الذكية، مما أسهم في سرعة اتخاذ القرار، ومعالجة الحالات الطارئة، وتعزيز كفاءة الأداء الميداني في مختلف المواقع.
أما الإعلام السعودي، فقد كان شريكًا رئيسًا في صناعة هذا النجاح، إذ أدت المنصات الإعلامية الرسمية والخاصة والمقروءة والمسموعة والمرئية والرقمية دورًا وطنيًا مهمًا في نشر الرسائل التوعوية والإرشادية، ونقل الصورة الحقيقية لجهود المملكة إلى العالم.
كما شارك آلاف الإعلاميين وصناع المحتوى والمراسلين والمترجمين في تغطية هذا الحدث العالمي، مقدمين محتوى بلغات متعددة وصل إلى مختلف قارات العالم، وعكس حجم الجهود المبذولة لخدمة الإسلام والمسلمين.
لقد أثبت حج 1447هـ أن المملكة العربية السعودية لا تدير موسم حج فحسب، بل تدير منظومة حضارية وإنسانية متكاملة، تُسخّر فيها الإمكانات والطاقات والخبرات والتقنيات لخدمة ضيوف الرحمن، في صورة مشرقة تجسد رسالة هذه البلاد المباركة ومكانتها الريادية في العالم الإسلامي.
*فشكرًا لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ـ حفظهما الله ـ على ما يوليانه من عناية واهتمام دائمين بالحرمين الشريفين وقاصديهما.*
*وشكرًا* لكل مسؤول وجندي، ولكل طبيب ومسعف ومهندس وإعلامي ومتطوع وعامل، أسهم بعلمه وجهده وإخلاصه في صناعة هذا النجاح التاريخي.
*لقد كان حج 1447هـ أكثر من موسم ناجح؛ كان نموذجًا عالميًا متفردًا في القيادة والإدارة والتخطيط والتكامل المؤسسي، وشاهدًا حيًا على المكانة التي بلغتها المملكة في خدمة الإسلام والمسلمين وضيوف بيت الله الحرام.*