النهار

٢٦ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ مارس-٢٠٢٦       23320

بقلم - خالد بن فهد الغنيم
لم يكن السؤال جديدًا، لكنه في كل مرة كان يعود بصيغة أكثر حدّة، وكأن في داخله شيئًا لم يُحسم بعد: لماذا هو؟
قالها الرجل وهو يقلب فنجان القهوة ببطء، لا ينظر إلى من أمامه، بل إلى فكرة عالقة في ذهنه منذ زمن.

لم يكن السؤال عن شخص بعينه، ولا عن قرار مفرد، بل عن ظاهرة كاملة.

عن دولة صعدت، وعن عيون لم يعجبها الصعود.
في زاوية المكان، كان يجلس رجل آخر، يستمع دون أن يتدخل.

بدا عليه أنه سمع هذا السؤال مرات كثيرة، ربما في مدن مختلفة، وربما بلغات مختلفة أيضًا.

ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه يعرف أن السؤال في ظاهره بسيط، لكنه في حقيقته معقد إلى درجة أنه لا يُجاب عليه مباشرة.
اقترب قليلًا وقال بهدوء: دعني أبدأ من حيث لا تتوقع.
ليس السؤال لماذا هو، بل لماذا ليس غيره؟
صمت الأول قليلًا. هذه المرة لم يقلب فنجانه.
في الفلسفة السياسية، هناك قاعدة غير مكتوبة، لكنها تتكرر في التاريخ بشكل يكاد يكون قانونًا: كل نجاح كبير يخلق خصومًا لا لأنهم متضررون، بل لأنهم غير قادرين على تفسيره.
قال فريدريك نيتشه مرة: "كل ما يعلو، يثير الريبة قبل أن يثير الإعجاب".

لم يكن يقصد الأفراد فقط، بل الكيانات، الدول، الحضارات.

الصعود في ذاته يصبح تهمة، والنجاح يتحول إلى شيء يحتاج إلى تبرير.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي في التشكل: هل المشكلة في الصعود نفسه، أم في العيون التي تراه؟
عاد الرجل يسأل: لكن لماذا كل هذا الجدل حولها تحديدًا؟
قال الآخر: لأنك لا ترى القصة كاملة، أنت ترى النتيجة فقط.
ثم أشار بيده وكأنه يرسم خطًا في الهواء.
أي دولة لا تُقاس بلحظة، بل بمسار. ومن لا يفهم المسار، سيُسيء تفسير اللحظة.
المملكة العربية السعودية لم تستيقظ يومًا لتكون ما هي عليه الآن.

ما يحدث هو نتيجة تراكمات تاريخية، سياسية، اجتماعية، واقتصادية. لكن المشكلة أن كثيرًا من الناس لا ينظرون إلا عبر عدسة قديمة، عدسة صُنعت في زمن مختلف، لواقع مختلف، ثم أصروا على استخدامها في قراءة واقع جديد.
وهنا تقع المفارقة.
في علم الاجتماع، هناك مفهوم يسمى الجمود الإدراكي، وهو أن الإنسان يستمر في تفسير الواقع الجديد بأدوات قديمة، حتى لو لم تعد صالحة.

هذه ليست مشكلة جهل، بل مشكلة راحة.

لأن تغيير الصورة الذهنية أصعب من الحفاظ عليها، حتى لو كانت خاطئة.
لذلك، حين بدأت المملكة في مشروع التحول، لم يكن التحدي اقتصاديًا فقط، بل كان إدراكيًا أيضًا.

كان عليها أن تتغير، وفي نفس الوقت أن تقنع الآخرين بأنها تغيرت.
وهذا أصعب بكثير.
قال الرجل الأول: لكن البعض يقول إن ما يحدث مجرد إعادة تشكيل للواجهة، وليس تحولًا حقيقيًا.
ابتسم الآخر وقال: هذا القول ليس جديدًا. في كل تجربة تحول في التاريخ، كان هناك من يقول ذلك.
حين بدأت اليابان نهضتها الحديثة، قيل إنها تقلد الغرب.

وحين صعدت كوريا الجنوبية، قيل إنها مجرد حالة مؤقتة. وحين تحولت سنغافورة، قيل إنها استثناء لا يُقاس عليه.
لكن الزمن كان له رأي آخر.
المشكلة ليست في الشك، بل في الإصرار عليه رغم تغير الأدلة.
لو نظرنا إلى التحول في المملكة، سنجد أنه لم يكن سطحيًا كما يتصور البعض.

بل هو إعادة صياغة للعلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد.

وهذا في الفكر القانوني يُعد تحولًا في البنية، لا في الشكل.
نظرية العقد الاجتماعي، كما طرحها روسو، تقوم على فكرة أن شرعية الدولة تأتي من قدرتها على تحقيق مصلحة المجتمع.

وإذا تغيرت أدوات تحقيق هذه المصلحة، فلا بد أن تتغير السياسات، وربما حتى طريقة التفكير.
وهذا ما يحدث.
لكن من ينظر من الخارج، قد لا يرى إلا التغيير الظاهري، لأنه لم يعش التحول من الداخل.
قال الرجل الأول: لكن لماذا هذا الهجوم؟ لماذا لا يُنظر إلى الأمر بشكل محايد؟
تنهد الآخر قليلًا، ثم قال: لأن الحياد في السياسة نادر، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالنجاح.
في العلاقات الدولية، هناك مفهوم يسمى توازن القوى، وهو لا يتعلق فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بالاقتصاد، والتأثير، وحتى الصورة الذهنية.

حين تصعد دولة، فهي لا تملأ فراغًا فقط، بل تعيد توزيع النفوذ.
وهذا لا يعجب الجميع.
لذلك، جزء من النقد ليس موجهًا للتحول نفسه، بل لما يمثله هذا التحول من تغيير في موازين التأثير.
لكن هناك جانب آخر، أكثر إنسانية، وأقل اعترافًا به.
الحسد.
ليس الحسد بمعناه السطحي، بل بمعناه العميق الذي تحدث عنه الفيلسوف شوبنهاور حين قال: "الحسد هو الألم الذي نشعر به تجاه سعادة الآخرين".
حين ترى تجربة تنجح، بينما تجارب أخرى تتعثر، ينشأ شعور غير مريح. وهذا الشعور يبحث عن تفسير، وغالبًا ما يكون التفسير هو التقليل من قيمة النجاح.
ليس لأن النجاح غير حقيقي، بل لأن الاعتراف به مؤلم.
هنا، سكت الرجلان قليلًا.
ثم قال الأول: إذن، هل المشكلة في الآخرين فقط؟
هز الآخر رأسه: لا، هذا تبسيط مخل.
أي تجربة ناجحة يجب أن تتحمل النقد، بل تحتاجه.

لكن الفرق بين النقد والتحامل هو النية والمنهج.
النقد يسأل ليفهم، أما التحامل فيسأل ليؤكد ما يعتقده مسبقًا.
وهنا تأتي أهمية التفكيك.
إذا فككنا الخطاب المنتقد، سنجد أنه يقوم غالبًا على ثلاث فرضيات:
الأولى، أن الصورة القديمة لا تزال صحيحة.
الثانية، أن التغيير غير عميق.
الثالثة، أن النجاح مؤقت.
لكن هذه الفرضيات، حين تُختبر بالواقع، تبدأ في التآكل.
ليس لأن الواقع مثالي، بل لأنه مختلف عما كانت تفترضه.
في النهاية، عاد السؤال من جديد.
لماذا هو؟
لكن هذه المرة، لم يكن السؤال كما كان في البداية.
قال الرجل الآخر: لأنه استطاع أن يعيد تعريف نفسه، بينما بقي الآخرون أسرى تعريفاتهم القديمة.
ثم أضاف: وفي عالم لا يرحم التردد، من يعيد تعريف نفسه أولًا، يكتب القصة.
رفع الرجل الأول فنجانه، لكنه لم يشرب.
كان يفكر.
ربما لأول مرة، لم يعد السؤال يزعجه كما كان.
ربما لأنه بدأ يفهم أن السؤال الحقيقي لم يكن عن دولة، بل عن طريقة النظر إليها.
وعن شيء أعمق من ذلك بكثير:
عن قدرتنا نحن، كبشر، على الاعتراف بأن العالم يتغير… حتى لو لم نكن جزءًا من هذا التغير.
لم ينته الحديث عند هذا الحد، بل بدا وكأنه بدأ للتو.
وضع الرجل الأول فنجانه جانبًا، ثم قال بنبرة أقل حدّة: لكن ماذا عن التاريخ؟ أليس جزء كبير من الصورة مبنيًا عليه؟ أعني، الناس لا يأتون من فراغ، بل من تراكمات، من قصص قديمة، من تصورات ترسخت مع الزمن.
ابتسم الآخر، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال تحديدًا.
قال: هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لا في الواقع، بل في الذاكرة.
التاريخ ليس مجرد أحداث وقعت وانتهت، بل هو مادة تُعاد صياغتها باستمرار.

كل جيل يعيد قراءته بطريقته، وكل تيار يختار منه ما يخدم رؤيته.

لذلك، فالتاريخ ليس حياديًا كما يبدو، بل هو في كثير من الأحيان ساحة صراع غير معلن.
في الفكر القانوني، هناك مبدأ مهم يقول إن "الوقائع لا تتكلم بنفسها، بل تُقدَّم عبر روايات".

وهذا ينطبق على التاريخ تمامًا.
حين تُختزل دولة كاملة في صورة قديمة، أو في مرحلة معينة من مسارها، فإن ما يحدث ليس وصفًا، بل انتقاء.

وهذا الانتقاء غالبًا ما يكون موجهًا، حتى لو لم يُعلن ذلك صراحة.
قال الرجل الأول: لكن بعض هذه الصور ليست مختلقة، بل لها جذور حقيقية.
رد الآخر: صحيح، لكنها ليست القصة كاملة.
ثم أضاف: المشكلة ليست في وجود صورة قديمة، بل في تحويلها إلى تعريف دائم.
وهنا يكمن الخلل.
في الفلسفة الاجتماعية، هناك مفهوم "التشييء"، وهو أن يُختزل الكيان الحي المتغير في صورة جامدة، وكأنه لم يعد قادرًا على التحول.

وهذا بالضبط ما يحدث حين تُحاكم دولة اليوم بصور الأمس.
كأنك تحكم على إنسان بالغ بما كان عليه في طفولته.
سكت قليلًا، ثم قال:
دعني أسألك، هل تقبل أن يُحكم عليك الآن بما كنت عليه قبل عشرين سنة؟
ابتسم الرجل الأول ابتسامة خفيفة، وكأنه أدرك المقصود.
قال: لا، بالتأكيد لا.
قال الآخر: إذن لماذا نقبل ذلك على الدول؟
في الواقع، ما يحدث مع المملكة هو مثال واضح على هذه الإشكالية.

هناك من لا يزال يراها عبر قوالب قديمة، تشكلت في سياقات سياسية وفكرية معينة، ثم جُمِّدت.

هذه القوالب لم تعد تفسر الواقع الحالي، لكنها لا تزال تُستخدم، إما بدافع الكسل الذهني، أو بدافع التحيز.
وهنا يظهر التوتر.
لأن الواقع يتحرك، بينما الصورة ثابتة.
في علم النفس السياسي، يُقال إن الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما يتوقعه.

وهذا يعني أن من يحمل صورة مسبقة، سيبحث دائمًا عن ما يؤكدها، ويتجاهل ما يناقضها.
وهذا ما يجعل بعض الانتقادات تبدو وكأنها تدور في حلقة مفرغة.
ليس لأنها بلا أساس تمامًا، بل لأنها ترفض أن تتطور مع تطور الواقع.
قال الرجل الأول: لكن ألا ترى أن جزءًا من النجاح نفسه يثير الشك؟ أعني، السرعة أحيانًا تجعل الناس غير مرتاحين.
قال الآخر: نعم، وهذا طبيعي.
ثم أضاف: في كل تحول سريع، هناك دائمًا شعور بالارتباك، ليس فقط عند الخارج، بل حتى في الداخل أحيانًا.
لكن الفرق بين من يفهم التحول ومن يرفضه، هو في طريقة التعامل مع هذا الشعور.
البعض يحوله إلى تساؤل، والبعض يحوله إلى رفض.
في نظرية التحديث، التي تناولها عدد من علماء الاجتماع، يُفترض أن المجتمعات تمر بمراحل انتقالية، قد تكون غير متوازنة في بعض جوانبها، لكنها في المجمل تتجه نحو إعادة تشكيل أعمق.
وهذا يعني أن التحول لا يكون خطًا مستقيمًا، بل مسارًا متعرجًا.
لكن من ينظر إلى لحظة واحدة فقط، قد يظن أن المسار كله مضطرب.
وهذا خطأ شائع.
عاد الرجل الأول يسأل: لكن ماذا عن الداخل؟ هل الكل متفق على هذا المسار؟
ضحك الآخر قليلًا، وقال: لا يوجد مجتمع في العالم يتفق بالكامل على أي مسار.
الاختلاف ليس علامة ضعف، بل علامة حياة.
المجتمعات التي لا تختلف، إما أنها لا تتحرك، أو أنها لا تُسمح لها بالحركة.
ثم أضاف: المهم ليس غياب الاختلاف، بل إدارته.
في هذا السياق، يمكن فهم كثير من النقاشات التي تدور داخل المملكة.

هي ليست بالضرورة صراعًا، بل تعبير عن مرحلة انتقالية.

كل تحول عميق يفتح بابًا للأسئلة، وهذا أمر صحي، طالما بقي ضمن إطار يحفظ التوازن العام.
وفي الحقيقة، فإن القدرة على احتواء هذا التنوع في الآراء، دون أن يتحول إلى فوضى، هي بحد ذاتها مؤشر على نضج سياسي واجتماعي.
لكن، وكما قال المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي: "الأزمة تحدث حين يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد بعد".
وهذا القول، رغم قدمه، لا يزال يفسر كثيرًا من حالات التوتر في العالم.
غير أن ما يميز بعض التجارب الناجحة، هو قدرتها على تسريع ولادة الجديد، دون أن تنهار في الفراغ.
وهذا ليس أمرًا بسيطًا.
قال الرجل الأول: إذن، هل يمكن القول إن ما يحدث هو إعادة تعريف كاملة؟
قال الآخر: ليس إعادة تعريف فقط، بل إعادة تموضع.
ثم أوضح: الدولة لا تعيد تعريف نفسها داخليًا فقط، بل تعيد تقديم نفسها للعالم أيضًا.
وهنا تزداد الحساسية.
لأن الصورة الجديدة لا تناسب كل التوقعات القديمة.
في العلاقات الدولية، الصورة ليست مجرد انعكاس، بل أداة.

الدولة التي تملك القدرة على تشكيل صورتها، تملك جزءًا من قوتها.

لذلك، فإن الصراع على الصورة لا يقل أهمية عن الصراع على المصالح.
وهذا ما يجعل بعض الخطابات تبدو وكأنها تقاوم التغيير، لا لأنها ترفضه فقط، بل لأنها تفقد سيطرتها عليه.
عاد الصمت للحظة.
ثم قال الرجل الأول بصوت أخف: يبدو أن السؤال لم يكن بسيطًا كما ظننت.
قال الآخر: الأسئلة المهمة نادرًا ما تكون بسيطة.
ثم أضاف: لكن الأهم من السؤال، هو ما يكشفه عن طريقة تفكيرنا.
في النهاية، لم يعد "لماذا هو" مجرد تساؤل عن سبب صعود دولة، بل أصبح مرآة أوسع، تعكس كيف نفكر نحن، كيف نحكم، وكيف نرى الآخر حين ينجح.
هل نراه بعين منفتحة، أم بعين مثقلة بصور قديمة؟
هل نحاول فهمه، أم نحاول فقط تفسيره بما يناسبنا؟
رفع الرجل الأول نظره أخيرًا، وقال: ربما المشكلة ليست في الإجابة، بل في السؤال نفسه.
ابتسم الآخر، وقال: الآن بدأت تقترب.
ومع ذلك، بقي شيء لم يُقل.
لأن بعض الأسئلة، لا تنتهي بإجابة، بل تتحول إلى وعي.
وعي بأن العالم لا يقف عند تصور واحد، ولا عند رواية واحدة.
وأن من يصر على رؤية الأشياء كما كانت، قد يفوته أن يراها كما أصبحت.
وهنا، ربما، يكمن الجواب الذي لم يُنطق صراحة:
ليس لأن "هو" استثناء، بل لأنه لم ينتظر أن يفسره الآخرون، بل بدأ بنفسه.
وفي عالم يعيد تشكيل نفسه بسرعة، هذه وحدها كافية لتغيير كل شيء.