بقلم ـ حذامى محجوب
ما نشهده اليوم على منصات التواصل الاجتماعي من سجالات حادة حول التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما يتفرع عنه من توترات تمس دول الخليج، لا يعكس في حقيقته المزاج العام للشعوب العربية. بل هو في جوهره مشهد رقمي مضخم، تصنعه آليات معقدة تجمع بين منطق الخوارزميات، وسلوك المؤثرين، وحملات موجهة تديرها أطراف سياسية عبر حسابات حقيقية وأخرى وهمية.
في هذا الفضاء، لا تُعرض الوقائع كما هي، بل تُختزل في صور مبسطة ومضللة. يتحول النقاش إلى ثنائيات حادة: إما مع أو ضد، وطني أو خائن، مقاوم أو عميل.
تختفي المساحات الرمادية، ويعلو صوت الخطاب المتوتر الذي يغذي الانقسام ويستثمر فيه.
فشركات التواصل الاجتماعي لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تسعى إلى تعظيم التفاعل، ضمن ما يُعرف باقتصاد الانتباه، حيث تصبح الإثارة والغضب والسخرية أدوات فعالة لجذب المستخدمين وإبقائهم أطول وقت ممكن أمام الشاشات، بما يضمن أرباحًا أكبر.
في خضم هذا الصخب، تتشكل هويات رقمية زائفة تدّعي التحدث باسم شعوب بأكملها. نقرأ تدوينات تُنسب إلى “التونسيين” أو “الجزائريين” أو “المصريين” أو “السعوديين”….وكأنها تعبير عن إجماع وطني، بينما هي في الواقع مجرد أصوات فردية، قد تكون مدفوعة بالرغبة في لفت الانتباه أو تحقيق الانتشار. يُعاد توظيف الأعلام، واللهجات، والرموز الثقافية، لتكريس هذا الوهم، وربط الآراء الفردية بمفاهيم حساسة مثل الكرامة الوطنية أو الانتماء القومي.
بهذا المعنى، لا تعود الهوية إطارا جامعا، بل تتحول إلى أداة في معركة رقمية مفتوحة. يتم تسييس الانتماءات، وتُستثمر المشاعر الجماعية في تغذية الصراع، بدل أن تكون عامل تماسك. الأخطر أن هذا الخطاب قد ينجح في إقناع البعض بأنه يمثل “الرأي العام”، في حين أنه لا يعكس سوى تنافس محدود بين أفراد أو مجموعات تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من "اللايكات" والانتشار.
إن ما يعجّ به الفضاء الرقمي اليوم لا ينبغي أن يُؤخذ على أنه مرآة صادقة للشعوب العربية، من تونس إلى المغرب والجزائر، ومن مصر إلى الخليج. فهذه الشعوب، رغم اختلافاتها، لا تختزل في تغريدة غاضبة أو مقطع ساخر أو منشور مستفز. ما نراه هو في الغالب نتاج تفاعل بين خوارزميات لا ترى إلا الأرقام، وأشخاص يدركون كيف يثيرونها، وأطراف تستثمر في الفوضى الرقمية لتحقيق مكاسب سياسية أو إعلامية.
في النهاية، يبقى الوعي النقدي هو الحاجز الأخير أمام هذا الانجراف. فليس كل ما يُتداول يمثلنا، وليس كل صوت عالٍ يعبر عنا. بين الحقيقة والضجيج مساحة ينبغي استعادتها، حتى لا تتحول الشاشات إلى بديل زائف عن الواقع.