الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ يوليو-٢٠٢٦       3300

بقلم- جمال المرشدي 
كان التسول عبر التاريخ مقروناً بالانكسار والحاجة الماسة، واضطراراً يلجأ إليه الإنسان حين تغلّ الأبواب في وجهه وتضيق به السبل. كانت "المسألة" تُقترن بستر الوجه، ويحاول صاحبها ألا تقع عينٌ عليه حياءً وخجلاً. لكن التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة في السنوات الأخيرة أنتجت نموذجاً مدهشاً ومغايراً تماماً لمفاهيم الاحتياج التقليدية: "المتسول الفخور".
لم نعد أمام شخص يتوارى خلف قناع العوز، بل أمام فئة تتعامل مع التسول كمهنة ذكية، واستثمار منخفض التكلفة عالي المردود، بل ووصل الأمر ببعضهم إلى "التفاخر" بما يحققونه من مكاسب سريعة ومجذية لا تتطلب شهادات جامعية ولا التزاماً بساعات عمل شاقة.
كيف تحول التسول من "انكسار" إلى "تفاخر"؟
تجمعت عدة عوامل وأبعاد ساهمت في صياغة هذه الظاهرة الغريبة في مجتمعاتنا:
"العصر الرقمي" واستعراض الأرقام
مع ظهور منصات التواصل الاجتماعي والبث المباشر، انتقل التسول من "أرصفة الشوارع" إلى "أرصفة الشاشات". لم يعد المتسول بحاجة إلى مشقة الوقوف تحت حرارة الشمس؛ بل يكفيه المظهر المستكين أمام الكاميرا لاستدرار عواطف المتابعين. ولأن العالم الرقمي يقاس بـ "الأرقام والنتائج"، أصبح بعض هؤلاء يستعرضون حجم الهدايا والتبرعات والأموال ، متباهين بـ "الذكاء" في اقتناص الفرص وسرعة تحصيل المال مقارنة بالوظائف التقليدية.
غياب الرادع الأخلاقي وطغيان "الغاية تبرر الوسيلة"
تغيرت بعض الموازين القيمية لدى البعض؛ حيث أصبحت النتيجة المالية هي المعيار الوحيد للنجاح، بغض النظر عن الوسيلة. حين يرى المتسول أن المجتمع – عن حسن نية أو غفلة – يغدق عليه بالأموال دون جهد، يتولد لديه شعور زائف بالإنجاز، ويتحول شعور "الدناءة" الذي يصاحب المسألة عادةً إلى استعلاء واستخفاف بالجهد الذي يبذله العامل العصامي.
احترافية "صناعة الدراما"
لم يعد التسول عشوائياً، بل أصبح يتضمن "إخراجاً سينمائياً" من سيناريوهات محبوكة واستغلال  الأكثر احتياجاً. وعندما ينجح هذا المخرج/المتسول في خداع المئات وتجميع مبالغ طائلة، يتعامل مع الأمر وكأنه "ذكاء تسويقي" يستحق الفخر، لا جريمة ولا تدليساً يضر بالمحتاجين الحقيقيين.
الخطورة الاجتماعية والاقتصادية
إن خطورة 'المتسول الفخور' لا تقف عند حدود سلب أموال الناس بالباطل، بل تتعداها إلى ضرب قيمة 'العمل الجاد' في مقتل."
ختاماً:
المسألة لم تكن يوماً مبعثاً للفخر، واليد العليا التي تعطي أو تعمل بكدها ستظل دائماً خيراً وأكرم من اليد السفلى، مهما حاول "المتسول الفخور" أن يزين قبح وسيلته أو يتفاخر بوعائه الممتلئ بالحيل والدجل.