الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ يوليو-٢٠٢٦       2420

بقلم :أ/ليلى الحربي 
ما الذي يتبقّى للإنسان بعد أن تمضي به سنين العمر ويمرّ به الزمن؟

يبدو هذا السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة أكثر الأسئلة قسوةً وصدقًا ووعيًا؛ لأن العمر حين يمضي لا يأخذ معه السنوات فقط، بل يأخذ الأصوات والوجوه، والأماكن، ونسختنا القديمة التي كنّا نظنّ أنها ستبقى إلى الأبد.

فماذا يتبقّى للإنسان بعد هذا العبور؟
هل يتبقّى له جسدٌ متعب، أم أرشيف طويل من الذكريات؟

تشير التأملات الفلسفية والإنسانية إلى أن ما يتبقّى للإنسان قد يكون أثمن مما ضاع.
فهو يقف في آخر الطريق لا في منتصفه، يلتفت إلى الخلف متأملًا، ويتساءل: ما الذي بقي؟

الذي تبقّى له ليس الزمن الذي عاشه، بل ما فعله به الزمن.
الأثر الذي تركته السنين في روحه، والنضج الذي جاء من النجاة، والصبر الذي وُلد من الخسارات، والبصيرة التي لا يمنحها العمر إلا لمن عبر الألم بصدق.

ما يتبقّى له هو تلك النسخة التي نجت.
النسخة التي عبرت الخيبات ولم تنكسر تمامًا،
التي فقدت كثيرًا، لكنها تعلّمت كيف تستمر،
التي ودّعت أشخاصًا كانت تظن أن الحياة لا تُحتمل بعدهم، ثم اكتشفت أن القلب — على هشاشته — يملك قدرة غامضة على الاحتمال.
التي انطفأ فيها شيء، نعم، لكن أضاء فيها شيء آخر أكثر هدوءًا وعمقًا.

قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾

فكأن الآية تختصر حقيقة الرحلة كلها؛ أن الإنسان خُلق ليعبر المشقة، لا ليفلت منها، وأن النضج ليس هروبًا من الألم، بل قدرة على فهمه واحتماله.

ما الذي يتبقّى له حين تهدأ ضوضاء البدايات، ويختفي صخب الرغبات، وتسكت الأصوات، وتغيب الوجوه؟

يخلو إلى نفسه، يتأمل العمر الذي عبره، والخيبات التي تعثّر بها، والأحلام التي نجت من قسوة الأيام، وصوته الداخلي بعد أن سكت العالم.

ويبقى له المعنى.
وجوهره الداخلي.
وذلك النور الذي صنعته العتمة.

ندرك متأخرين أن الحياة لم تكن تعدنا بشيء،
ولم تكن مدينةً لنا بالعدل،
ولم تكن تسير وفق ما تمنّينا.

ومع ذلك، نتعلّم أن نقبلها لا كما أردناها، بل كما هي.

وهنا يبدأ السلام.

السلام لا يأتي حين تصبح الحياة عادلة،
بل حين نتوقّف عن مطالبتها بأن تكون كذلك.

قال تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾

وكأن الإنسان لا يفهم هذه الآية حقًا إلا بعد سنوات طويلة، حين يكتشف أن بعض ما حزن لفقده كان نجاة، وأن بعض الأبواب المغلقة كانت رحمة مؤجّلة.

وفي نهاية الرحلة، لا يحمل الإنسان معه إلا قدرته على التصالح:
مع ما كان،
ومع ما لم يكن،
ومع ما لن يكون أبدًا.

وتستقر في النفس تلك الحكمة الهادئة:
أن ليس كل ما تمنّيناه كان خيرًا،
وأن ليس كل ما خسرناه كان خسارة،
وأن بعض الانكسارات لم تأتِ لهدمنا، بل لإعادة تشكيلنا على نحو أكثر صدقًا.

فالحياة لا تنصفنا بما تمنحنا، بل بما تنتزعه منا.

وهناك لحظة خفيّة يبلغها الإنسان متأخرًا، يدرك فيها أن العمر لم يكن معركة مع العالم، بل مصالحة شاقّة مع نفسه.

وأن أعظم ما يتعلّمه في نهاياته أن النجاة لم تكن يومًا في الوصول، بل في أن يخرج من الطريق دون أن يفقد جوهره؛
أن يبقى فيه شيء لم تفسده القسوة،
وشيء لم تطفئه الخيبة،
وشيء لم تكسره المعرفة.

تبقى حقيقته الأولى التي أدركها متأخرًا:
أن الكارثة ليست في قِصر الحياة، بل في أننا نبدّد معظمها قبل أن ننتبه إلى معناها.
وأن الإنسان لا تنقصه السنين بقدر ما تنقصه البصيرة.

قال الله تعالى:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

لأن المشكلة لم تكن يومًا في قلة ما نراه، بل في قلة ما نفهمه بعد كل ما رأيناه.

إن التجارب تترك فينا ندوبًا داخلية لا تظهر في الجسد، بل في القلب؛
ذكريات عميقة من حزن أو فرح أو خذلان أو فقد، تتشكّل منها هويتنا الإنسانية.

إذن، ما الذي يبقى للإنسان بعد أن يستهلك دهشته الأولى، وينطفئ وهج الركض في بداياته؟

الأعوام لا تمضي خارجه، بل تمرّ من خلاله، تنحت سريرته كما ينحت الماء الصخرة بصبر خفي، وتعيد تشكيله — مع كل خسارة — على صورة لم يكن يعرفها لنفسه.

وهكذا لا تصنعنا الحياة بما تمنحنا، بل بما تنتزعه منا.

ولهذا كان فريدريك نيتشه يرى أن النضج ليس أن تزداد يقينًا، بل أن تزداد قدرةً على احتمال الحقيقة دون عزاءٍ ساذج.

وكان يلمح بمرارة أن ميزة الذاكرة الرديئة أنها تسمح للمرء أن يستمتع بالأشياء الجميلة كأنه يراها لأول مرة.

ما يبقى بعد العمر إذن ليس أجوبةً كاملة، بل بصيرة.
ليس امتلاكًا، بل خفّة.
ليس انتصارًا، بل فهمًا.

وربما لهذا قال الله تعالى:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾

فكل ما نظنّه ثابتًا يعبر،
ولا يبقى في النهاية إلا ما كان حقيقيًا، نقيًا، ومتصالحًا مع الله ومع النفس ومع المعنى.