جمعان الكرت

١١ سبتمبر-٢٠٢٣

الكاتب : جمعان الكرت
التاريخ: ١١ سبتمبر-٢٠٢٣       49995

"سلام يا بيت له حده وجدري"

جمعان الكرت

ثنى جسده الصلب متناولا بيديه الخشنتين حجرًا أزرق اللون وضعه بإحكام في موضع محدد، ناوله الملقف بحجر استطالي آخر بعد أن هُذبت  أطرافه الزائدة بإزميل حديدي، وصل ارتفاع المدماك قامة رجل تقريبًا ، من يشاهد غرم الله وهو واقف فوق الجدار يخيل أن صقرًا ارتقى رأس تلة ، ثوبه حائل اللون  باكمام ممزقة تظهر  عروق  بارزة من كفيه وساعديه اللتين توزنان استقامة الجدار الحجري، الشمس في سمت السماء، ورياح جافة هبت لتثير الغبار الذي كان عالقا في الأحجار المردومة لتشكل فيما بعد بناءً زاهيًا ،  مسح غرم الله  جبينه ودعك عينيه من جراء غبار لحق بهما وما أن رفع أصابعه حتى تبدى عن بعد صحن فضي تحمله زوجة صاحب المنزل به طاستين مملؤتين بالحقينة والمعرّق وبجوارهما طاسة سمن صغيرة  وقطع من الخبز الدافىء، انحدر غرم الله من فوق المدماك كصخرة،  سبقه الآخرون في جلسة دائرية، ثمة رائحة عبقت أجواء المكان انبعثت من الخبزة السمراء لتزداد شهيتهم، الأيدي الصلبة تصنع خفسًا مجوفة لتبتل في المعرّق الساخن وتستخرج  قطع اللحم الصغيرة واللذيذة، إناء مصبوغ بلونين متناغمين الأبيض والأحمر  يحمل في جوفه الشاهي الأحمر المحلى بالسكر وثمة فناجين حوله تصطك في بعضها كحراس أمناء ونغم مألوف ظهر كل يوم، سكبوا الشاي في بطونهم وحمدوا الله وشكروه ، الأباريق الفضية المليئة بالماء ليست ببعيدة عنهم رشوا أيديهم ووجوههم وأرجلهم وافترشوا الأرض لأداء صلاة الظهر جماعة، ما أن سلّم الإمام ، حتى التفت إلى الجدار   الماثل أمامهم لينهض الجميع  كل في موقعه صعد غرم الله على الجدر مرتقبا أحجار مهذبة من الملقف عطية الذي يتكرر صعوده وهبوطه حاملا على ظهره أحجامًا من الأحجار يخفف من ثقلها خيشة سميكة ارتداها صبيحة ذلك اليوم  ، غرم الله ينظر إلى الأحجار وكأنها كائنات حية يتحسسها بأنامله  وقبل أن يضع الحجر يسمي بالله  ليكتمل بناء البيت بعد شهرين كاملين زينت نوافذه وأبوابه والزافر بنقش بديع، نافذته تطل على مساحة الوادي الأخضر ، والزافر يحمل البيت على هامته ، ودقون من الحجارة الاستطالية زينت واجهاته الأربعة وجدران داخلية خُلبت بالطين وصُبغت بالشيدة وطُليت ببوية خضراء في المواقع السفلى،وفناء واسع يترقب رجال القرية لأداء العرضة الشعبية، تشكلت علاقة وجدانية بين الباني والمنزل الحجري، نظراته كانت تكشف عن ذلك، يمرر أصابعه بشيء من الود للأحجار التي شكلت بناءً محكمًا . أولم صاحب المنزل بثور ذبحه ابتهاجا  بالبيت الجديد وحتى يعشي أهل القرية اللذين ساندوه وعاونوه في طينة السقف ، وُزعت الصحون المليئة بالرز واللحم الناضج في ساحة البيت، والتم الضيوف في أشكال دائرية وما أن فرغوا حتى كثّروا  بالخير، ليشق صوت الزير فضاء المكان بقرع مرتب بعصوين  نحيفتين يمسكهما ناقع الزير بقبضته القوية،لحظات وصفوف العراضة تشكلت في وضع دائري و المزلف يرتب حركاتهم، ومع كل قفزة ينظر غرم الله تارة في المنزل بحميمية بالغة وتارة في قدمية اللتين يدك بهما الأرض مع قرع الزير، 
الشاعر توسط المكان لينشد بطرق العرضة 
سلام يا بيت له حده وجدري 
‏من كبر حوشه ما نجي من جال في جال
‏وله مصاريع جداد وزافرينا 
‏الله يرحم من بناه وجاب سامه
‏حصاه من الغوقة ومن الجنش دقونه
رددوا المحراف الأخير وتحركوا  بانتظام، واستمر الشاعر يلقي القصيد والأجساد ترتخي وترتفع بنشوة مع الايقاع،  ارتخى ضوء الأتريك كمؤشر لانتهاء الكيروسين.. 
مسح الضيوف باقي الدسم من لحاهم وشواربهم وكثروا بالخير منصرفين في ظلمة المكان إلى منازلهم المتناثرة في سفح الجبل..