النهار
بقلم - جمعان الكرت
اتجه أهالي منطقة الباحة إلى تنمية النشاط السياحي بعد أن برزت الوظيفة السياحية بوضوح قبل نحو عقدين من الزمن، وذلك من خلال مشاركتهم الفاعلة في منظومة تقديم الخدمة للزوار، عبر بناء الفنادق، والشقق المفروشة، والمجمعات السكنية.
ومع التزايد الملحوظ في أعداد المصطافين عامًا بعد عام، برزت الحاجة إلى إنشاء مزيد من وحدات الإيواء، حيث ترتفع الكثافة السياحية خلال فصل الصيف، وتخفّ حدتها في بقية فصول السنة.
ورغم هذا التباين الموسمي، فإن منطقة الباحة مؤهلة لاستقبال السياح على مدار العام، بل يزداد سحرها في فصلي الربيع والشتاء، حين ينسدل الضباب الأسِرّ ليشكّل لوحات طبيعية آسرة تضيف إلى المكان بهاءً وجمالًا فريدين.
وفي فصل الشتاء، يتحول القطاع التهامي إلى وجهة مثالية لاستقطاب الزوار، بما يتمتع به من دفءٍ معتدل، وأوديةٍ غنّاء، وطبيعةٍ نابضة بالحياة.
هذا التنوع المناخي والطبوغرافي يوسّع مفهوم السياحة في الباحة، ويجعلها سياحة مستدامة ممتدة على مدار العام، لا ترتبط بزمنٍ واحد أو موسمٍ محدد.
وفي الماضي، اقتصرت الخدمة السياحية على تهيئة وحدات الإيواء، وهي خطوة مهمة لكنها غير كافية، إذ إن الباحة تُعد كنزًا سياحيًا وتاريخيًا وثقافيًا لم يُكتشف بعد بالصورة التي تليق به.
فالمنطقة تزخر بمواقع تاريخية وأثرية وتراثية، إلى جانب ثراء الموروث الثقافي من أكلات شعبية، ورقصات فولكلورية، وطرز معمارية أصيلة، وأنماط حياتية تعكس خصوصية إنسان الباحة وعمق انتمائه للمكان.
والحديث عن هذه المواقع يحتاج إلى مساحات أوسع، إلا أننا نختصر بالإشارة إلى أن شرق الباحة يمر درب الفيل، ولا تزال معالمه واضحة من الأحجار المرصوفة، شاهدة على مرور الزمن الطويل.
وقد كان هذا الطريق في الأصل مسلكًا تجاريًا يربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها، ثم عُرف لاحقًا بدرب الفيل بعد أن سلكه أبرهة الحبشي في محاولته هدم الكعبة المشرفة، فكان له ولجنوده ما ذكره القرآن الكريم: ﴿فجعلهم كعصفٍ مأكول﴾.
وهذا الطريق بحد ذاته يُعد عنصر جذبٍ سياحي وتاريخي مهم، يتيح للزائر ملامسة التاريخ عن قرب.
وفي الناصف بوادي بيدة – أو أبيدة بحسب مسماه التاريخي – يرقد الشاعر الجاهلي الشنفرى، صاحب «لامية العرب»، تلك القصيدة التي قال عنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه قولًا مشهورًا، لما اشتملت عليه من شمائل وقيم إنسانية عالية.
ويمكن لهذا الموقع أن يكون منطلقًا لتنظيم برامج ثقافية ومهرجانات شعرية تُعيد إحياء الذاكرة الأدبية في مكانها الطبيعي.
أما ديار دوس، موطن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، أكثر الصحابة روايةً لحديث رسول الله ﷺ، فهي تجمع بين العمق التاريخي والجمال الطبيعي، وتشكل رافدًا مهمًا للسياحة الدينية والثقافية.
وعند أقدام جبل أثرب، حيث ديار بني تغلب وملكهم وائل بن ربيعة (كليب)، تتناثر شواهد ودلائل تشير إلى حياة تلك القبائل العربية العريقة.
كما شهدت المنطقة مدنًا وقرى مزدهرة قبل الإسلام وبعده، مثل: الخُليف، والخليف العصداء، وغيرها، فضلًا عن قرية عَشَم، وسوق حُباشة القريبتين من النطاق الجغرافي لمنطقة الباحة.
ويُعدّ سوق حُباشة سوقًا تاريخيًا شهيرًا لقبائل الأزد، مثّل في زمنه مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا بارزًا، وكان يُضارع سوق عكاظ التاريخي في مكانته وأهميته
أما التراث العمراني، فيتجلى بوضوح في قرية ذي عين، وعشرات القرى التراثية الأخرى التي ما زالت تحكي قصة الإنسان والمكان.
وأما جبلا شدا الأعلى والأسفل، فهما حكاية مختلفة، وتاريخ متفرد، يستحقان مقالة مستقلة لما يختزنانه من طبيعةٍ وإنسانٍ وذاكرة ..