النهار
بقلم - جمعان الكرت
تُعد قرية ذي عين بمنطقة الباحة لوحةً تراثيةً مجسّمة، تؤصّل الطراز المعماري القديم في كامل أناقته وبهائه؛ إذ تتموْسق المباني الحجرية فوق تلةٍ من الصخور الجرانيتية البيضاء، وتتجاور في تناغمٍ بديع لتشكّل تكاملًا عمرانيًا وطبيعيًا وجماليًا يدهش الزائرين.
ويزداد جمال القرية بانبجاس عينٍ مائية من أحشاء الجبل المحاذي، تجري مياهها كالفضّة على مدار العام، مما هيّأ لسكانها فرصة زراعة محاصيل مميّزة، يأتي في مقدمتها الموز المعروف بطعمه وشكله الفريدين، والكاذي الذي يضوع المكان بعطره الذكي، فضلًا عن نباتاتٍ عطريةٍ أخرى، وأنواعٍ من الفاكهة والخضروات.
وقد قامت حِرفة الزراعة في القرية منذ ما يزيد على ستمائة عام ـ كما تؤكده بعض الوثائق القديمة ـ الأمر الذي أتاح الاستقرار واستثمار معطيات البيئة، وقدح التفكير لبناءٍ معماريٍ متناسقٍ يجمع بين الخصوصية الفردية في تلبية احتياجات الأسرة، والتناغم الجماعي من خلال الروابط والطرقات التي تصل البيوت ببعضها.
ولما كانت “ذي عين” وما تزال بهذا التناسق، وبهذا الإرث العمراني المتفرّد، فإن الحفاظ على مبانيها يُعد ضرورةً ملحّة.
وقد تنبّهت وزارة السياحة إلى ذلك، فضخّت مبالغ مالية لإعادة ما تهدّم وتصدّع، وبالأسلوب العمراني نفسه، وهي خطوةٌ محمودة مما عزّز متانة المباني لتبقى شاهدا على مر السنين .
غير أن الجانب الآخر ـ وهو استثمار القرية سياحيًا وتراثيًا وثقافيًا ـ ما يزال دون الطموح، ولا سيما الشق الثقافي الذي لم يتحقق فيه ما يبهج حتى الآن، مما يستدعي تكثيف الاهتمام بهذا المنشط الفكري، حتى لا تظل الاستفادة من القرية أقل من المأمول ولا تلبي الطموحات المنشودة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تشكيل لجنة ثقافية تُعنى بتفعيل هذا الجانب، وطرح الرؤى والأفكار التي ترفد مسار الثقافة، على أن تتجه الجهود إلى:
1. استثمار الإمكانات الفريدة للقرية التي شدّت أنظار الزائرين من داخل المملكة وخارجها، في خدمة السياحة والآثار.
2. رفد الثقافة بوصفها معطًى فكريًا وحضاريًا، يحقق المتعة والفائدة في آنٍ واحد.
3. إحداث أثرٍ إيجابي مباشر على سكان القرية اقتصاديًا، بجعلها مزارًا سياحيًا وتراثيًا على مدار العام.
أما آلية تنظيم التظاهرة الثقافية المقترحة، فتتم عبر لجنةٍ من القادرين على العطاء، تتولى توسيع الفكرة وتحديد الخطوات والإجراءات العملية، مع اختيار الوقت والمدة المناسبين؛ ويُعد فصل الربيع خيارًا مثاليًا، لما يتمتع به القطاع التهامي من مناخٍ معتدل يستهوي زوار السراة، فضلًا عن اكتساء الأودية والجبال بقطيفةٍ خضراء بفعل الأمطار.
وتتنوّع فعاليات المهرجان بين الندوات والمحاضرات، ومعارض الفنون التشكيلية، والعروض المسرحية والسينمائية، وتقديم العروض الشعبية كالعرضة، والمسحباني، ولعب، وهرموج، إلى جانب عرض وبيع المصنوعات اليدوية، وتقديم نماذج مصغّرة من الجص كمجسّماتٍ للقرية تبقى ذكرى خالدة لدى الزائرين.
وبذلك يمكن القول إن “ذي عين” مؤهلة لأن تصبح ذات شأنٍ ثقافيٍ وسياحيٍ وتراثي، على غرار جرش في الأردن، وأصيلة في المغرب، وقرطاج في تونس. ومؤشرات النجاح ـ بإذن الله ـ عالية، إذا ما استحضرنا نماذج قريبة مثل سوق عكاظ، الذي فتح نافذةً تاريخية على الماضي، وسجّل حضورًا متميزًا خلال سنواتٍ قليلة.