بقلم - شموخ نهار الحربي
هل استوقفتك يومًا تلك اللحظة التي شعرتَ فيها أنّك لم تَعُد أنت؟
أن ملامحك تغيّرت، صوتك تغيّر، ردودك صارت محسوبة، ضحكتك غير طبيعية، ووجودك مرهونٌ بميزان الآخرين؟
تُراقب نفسك من بعيد، وتتساءل:
من هذا الذي أمشي به؟ ومن الذي كنتُ عليه؟
الحقيقة المُرّة؟
أنك مرّرت نفسك على مِقصّ الناس، فقصّوا منها ما لا يُعجبهم، وأعدت تشكيلها كما يروق لهم… ثم نظرت في المرآة، ولم تتعرّف على مَن فيها.
⸻
لماذا نُعدّل أنفسنا؟
نُعدّلها لنُرضي، لننتمي، لنحصل على القبول.
نُخفف من ضوءنا لأن أحدهم انزعج من سطوعه.
نُلطّف من حدّة رأينا لأنهم وصفونا بالوقاحة.
نُغيّر أسلوبنا، نكتم اندفاعنا، نكسر عفويّتنا… ونقول لأنفسنا: “ما المشكلة؟ أنا فقط أحاول أن أكون محبوبًا.”
لكن الحقيقة أن محبة الناس التي تأتي بعد أن تتخلى عن نفسك… هي محبة لا تستحقك.
⸻
أنت لست قالبًا يصنعه الجميع
أنت إنسان، لستَ تجربةً اجتماعية يجب أن تُجامل الجميع كي تنجو.
ولستَ نسخةً تجريبية يجري تعديلها كلّما ضاق الآخرون بك.
ما أجملك حين تكون على طبيعتك…
بعفويتك، بأفكارك، بخطواتك التي قد لا تُعجبهم، لكنها تُشبهك.
ما أثمنك حين لا تُنقّح نفسك كي لا تُزعج، ولا تُنقص من حضورك كي لا تُنافس.
⸻
لا تكن “جيدًا” أكثر من اللازم
البعض يُفرط في “اللُطف”، في “التفهّم”، في “التنازل”، حتى يُصبح ظلاً للناس، لا شخصًا حقيقيًا.
توقّف.
توقّف عن تغيير لونك في كلّ مجلس.
عن ابتلاع كلماتك خوفًا من أن تُرفض.
عن كتم دمعتك خشية أن يُقال عنك “ضعيف”.
كن كما أنت، حتى لو لم يُعجبهم ذلك.
لأن الذي يحبك “بعد أن تُعدّل نفسك”، لا يحبك… بل يحب الصورة التي صمّمها هو عنك.
⸻
من يحبك بحق، لن يطلب منك أن “تصغُر” لأجله
بل سيحبك كما أنت،
بصوتك العالي أحيانًا، وبصمتك الثقيل أحيانًا،
بكلامك الحاد، وضحكك الفوضوي، وعقلك الذي لا يُشبه أحدًا.
لأن المحبة الحقيقية لا تُطلب بثمن التضحية بالذات.
⸻
وأخيرًا:
لا بأس أن تُغيّر نفسك…
لكن لأجل نموّك، لا لأجل رضاهم.
ولا بأس أن تُحاول أن تكون أفضل…
لكن لا تخلع جلدك كي ترتدي ما يناسب ذوق غيرك.
لا تكن سهل التشكيل كالعجينة في أيدي الناس.
ولا تجعل كل من يمرّ بك… يُعدّل فيك قليلاً، ثم يمضي وكأنك بلا ملامح.
كن واضحًا، صادقًا، غير قابل للمساومة على نفسك.
وإن كان البقاء على حقيقتك يُبعد عنك البعض…
فصدقني، فُقدان نفسك… أفدح من فُقدانهم