الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ يونيو-٢٠٢٥       14685

بقلم - شموخ نهار الحربي
في زحام الحياة، حين تُثقلنا المسؤوليات، وتخذلنا الكلمات، وتضيق علينا الدروب، نبحث عن مكان لا يطالبنا بشيء، لا يطلب تفسيرًا، ولا يُلقي علينا أحكامًا. نبحث عن مكان يحتوي ضعفنا، ويحتمل وجعنا بصمت. وهنا، لا يبرز في الذاكرة سوى البحر، ذاك الكائن الصامت الذي لا يملّ الاستماع، ولا يُصاب بالضجر من بكائنا المتكرر.

البحر ليس فقط مساحة من الماء المالح، ولا مجرد منظر طبيعي نلجأ إليه للتصوير أو الاستجمام. هو ملاذ. ملجأ حقيقي للأرواح المتعبة، التائهة، التي تبحث عن مخرج أو حتى مجرد هدنة. فيه شيء لا يُوصف، شيء يُطمئننا، كأننا في حضرة صديق قديم يعرف ما مررنا به دون أن نتكلم.

في صوت الموج، تجد نغمة تُشبه أنفاسك حين تكون مختنقًا بالبكاء. في سعة البحر، تجد مرآة لروحك حين تضيق بك الحياة. في مدّه وجزره، تذكير دائم أن كل شيء يتغيّر، وأن اللحظة التي نعيشها، مهما كانت مؤلمة، لن تدوم.

كم من مرة لجأنا إلى  البحر  وفي أعيننا دموع لا يراها أحد، وكم من مرة كتبنا أسرارنا على الرمال، ثم تركنا الموج يمحوها كأنها لم تكن. هناك، على ضفافه، تعترف لنا أنفسنا بما لا نقوى على البوح به للناس. نُخرج ما في داخلنا دون أن نخاف من ردّة فعل، دون أن نشعر بالذنب أو الضعف.

البحر يُعلّمنا الصمت، والتأمل، والتسليم. نحدّق فيه طويلًا وكأننا نبحث عن إجابة، عن إشارة، عن بداية جديدة. ومع كل موجة تأتي نحونا ثم تعود، نشعر وكأن جزءًا من الحزن يعود معها، كأن  البحر  يشاركنا الألم، ليُخفّف عنّا شيئًا لا يستطيع أحد غيره أن يحمله.

وهناك علاقة سريّة بين  البحر  والحنين. كثيرٌ من الذكريات تولد عند شواطئه، لحظات فراق، إلى حوارات صامتة لم تُقال يومًا.  البحر  يحفظ الأسرار، ويُخبّئ الدموع، ويشهد على أشياء لا يمكن لغيره أن يفهمها.

قد نظن أحيانًا أن لجوءنا المتكرر إلى  البحر  نوع من الهروب، لكنه في الحقيقة نوع من الشجاعة. لأننا نلجأ إلى مكان يُجبرنا على مواجهة أنفسنا. نحن لا نهرب من الحياة حين نذهب للبحر، بل نحاول أن نفهمها من جديد، أن نرتّب داخلنا لنعود أقوى، أهدأ، أكثر وضوحًا.

وفي النهاية، لا أحد يخرج من أمام  البحر  كما دخل. شيء ما يتغيّر، حتى لو كان بسيطًا. ربّما نظرتنا، أو شعورنا، أو مجرد قدرتنا على التنفس براحة أكبر. وهذا وحده يكفي.

لذلك يبقى  البحر  هو الملاذ الذي لا يُخيب، والرفيق الذي لا يخذل، والصدر الذي يتّسع لكل ما لا يُقال