بقلم: د. هدى بنت سعيد الكثيري
ليست أخطر دروس التاريخ تلك التي تروي وقائع الماضي فحسب، بل تلك التي تكشف تكرار أنماط الانحراف حين تتخذ الأيديولوجيات المتطرفة من الدين غطاءً لمشروعات الهيمنة، وتتحول الشعارات العقدية إلى أدوات للتعبئة والصراع، ويغدو العنف وسيلة لفرض النفوذ وإخضاع المجتمعات.
ومن صفحات التاريخ تبرز حركة القرامطة بما تحمله من دلالات فكرية وسياسية وعقدية تكشف خطورة التأويل المتطرف. ومن هنا تأتي المقارنة مع ميليشيا الحوثي في اليمن، التي تجاوزت ممارساتها حدود الصراع الداخلي لتصبح تهديدًا للأمن الإقليمي والدولي والمنشآت المدنية والمقدسات والممرات البحرية.
إن وصف الحوثيين بـ«قرامطة العصر» ليس مجرد استعارة لفظية، بل مقارنة تستحق القراءة في أبعادها الفكرية والسياسية والمذهبية، للكشف عن أوجه التشابه في توظيف العقيدة وتبرير العنف وانتهاك الحرمات.
القرامطة والحوثية: جماعات تجاوزت حدود المعارضة
نشأ القرامطة في إطار المذهب الإسماعيلي، وتبلور تيارهم وسط خلافات عقدية وسياسية حول الإمامة والقيادة ومصدر الشرعية، وارتبط جانب من عقيدتهم بانتظار عودة محمد بن إسماعيل بوصفه المهدي المنتظر. ولم يكن العنف الذي مارسته الحركة منفصلًا عن مشروعها السياسي والعقدي الساعي إلى تغيير موازين السلطة وفرض النفوذ.
وفي سنة 317هـ، بلغ تطرف القرامطة ذروته حين هاجموا مكة المكرمة خلال موسم الحج، وقتلوا الحجاج وانتهكوا حرمة المسجد الحرام وانتزعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى هَجَر. ولم تكن تلك جريمة عسكرية عادية، بل اعتداءً على مقدسات المسلمين وشعائرهم وأمنهم الديني، ودليلًا على خطورة الأيديولوجيا حين تقدم مشروعات الهيمنة على حرمة الدماء والبيت العتيق.
واستحضار هذه الحادثة اليوم يذكّر بأن الجماعات التي تمنح نفسها سلطة مطلقة باسم العقيدة قد تصل إلى استباحة ما ينبغي أن يبقى فوق الصراع والمساومة.
الإمامة والشرعية: حين يتحول التأويل الديني إلى أداة للسلطة
يمثل مفهوم الإمامة ومصدر الشرعية السياسية أحد أبرز مداخل المقارنة بين القرامطة والحوثيين. فقد احتلت الإمامة موقعًا مركزيًا في الفكر الإسماعيلي الذي نشأت فيه الحركة القرمطية، بينما نشأ الحوثيون في بيئة زيدية يمنية، واستند خطابهم إلى تصورات عن الإمامة والقيادة الدينية والحق في الحكم، قبل أن تتداخل مع مشروع سياسي وعسكري معاصر.
ولا يعني اختلاف الانتماء المذهبي تطابق الحركتين أو استحالة المقارنة بينهما، بل يفتح المجال لدراسة أوجه التقاطع في توظيف القيادة الدينية والنسب والاصطفاء لبناء الشرعية واحتكار القرار.
وتتفاقم خطورة أي مشروع سياسي حين يقدم حقه في الحكم باعتباره حقًا دينيًا حصريًا، ويعامل معارضيه بوصفهم خصومًا للعقيدة لا أطرافًا سياسية مختلفة. فالإشكال ليس في المعتقد ذاته، بل في توظيفه لتبرير الهيمنة وتحصين القيادة من النقد ومنح الجماعة المسلحة امتيازًا فوق بقية المواطنين.
الدعوة والتعبئة: صناعة الولاء وتبرير الصراع
تطورت الحركة الحوثية من حركة دينية وثقافية في شمال اليمن إلى قوة سياسية وعسكرية تفرض سلطتها على مناطق واسعة، مستندة إلى خطاب تعبوي يوظف المفردات الدينية والمذهبية والسياسية في تشكيل الولاء وتحديد المواقف من الخصوم.
وهنا تتجلى العلاقة بين الفكرة والتنظيم والشعار والممارسة؛ فحين تحتكر الجماعة المسلحة تفسير القضايا العامة، وتربط الولاء السياسي بالعقائدي، وتصور الصراع مواجهة بين الحق المطلق والباطل المطلق، فإنها تغذي الإقصاء وتسوغ استخدام القوة.
ولا تمنح الشعارات الدينية أصحابها حق الاعتداء على المدنيين أو تهديد الدول أو انتهاك الحرمات، فالقيم الدينية لا تقاس بما ترفعه الجماعات من شعارات، بل بما تعكسه ممارساتها من احترام للإنسان والمجتمع.
تقاطعات الفكر الحوثي بالقرامطة
يبقى الاعتداء القرمطي على مكة المكرمة من أبرز شواهد التاريخ على بلوغ التطرف حد انتهاك أقدس المقدسات، حين تحول موسم الحج إلى مشهد للقتل والاعتداء وانتزاع الحجر الأسود.
وفي العصر الحديث، تمثل الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه المملكة العربية السعودية، وما طال المناطق المدنية وهدد أمن المناطق المقدسة، مصدر خطر على سلامة السكان والحجاج والمعتمرين.
إن ترويع المدنيين لا يمكن تبريره بالشعارات أو الذرائع السياسية؛ فالحاج والمسافر والعامل والمدني ليسوا أهدافًا مشروعة في النزاعات المسلحة، وأمنهم وحقهم في الحياة والتنقل مبادئ لا يجوز انتهاكها.
كما ارتبط تاريخ القرامطة بمهاجمة القوافل وتهديد طرق الحج والتجارة، بما ألحق الضرر بأمن المسافرين وحركة المجتمعات. وفي مشهد معاصر، أعادت الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر إلى الواجهة خطورة هذا النهج، بعدما هددت سلامة أطقم السفن وأربكت حركة التجارة وأثارت المخاوف بشأن أمن الملاحة الدولية.
فالممرات البحرية ليست ملكًا لجماعة مسلحة، ولا يجوز تحويل السفن التجارية وأطقمها إلى رهائن في صراع إقليمي. كما أن استخدام الألغام والوسائل القتالية في الطرق والممرات الحيوية يضاعف المخاطر ويجعل تداعيات النزاع تتجاوز حدوده الجغرافية.
الاعتداء على المساجد ودور العبادة: اعتداء على الدين والمجتمع
لم يكن المسجد الحرام في اعتداء القرامطة مجرد موقع جغرافي، بل رمزًا لوحدة المسلمين وموضعًا لعبادتهم، ولذلك مثّل الاعتداء عليه انتهاكًا دينيًا وحضاريًا بالغ الخطورة.
وفي اليمن، طالت انتهاكات الحوثيين المساجد ودور القرآن والمؤسسات الدينية، من خلال اقتحام بعض المنشآت أو إلحاق الأضرار بها أو استخدامها لأغراض عسكرية.
وهذه الممارسات لا تستهدف المباني وحدها، بل تمس حق الناس في العبادة والتعليم، وتقوض الاستقرار الاجتماعي. وحين تخضع الجماعة المسلحة المؤسسات الدينية لمشروعها السياسي، فإنها تتجاوز السيطرة على الأرض إلى محاولة إخضاع المجال الديني لمنطق القوة.
من التشابه الفكري إلى حسابات النفوذ
لا تكتمل قراءة المشروع الحوثي دون النظر إلى علاقاته الإقليمية، وفي مقدمتها علاقته بإيران. فقد تناولت تقارير دولية جوانب الدعم والتعاون العسكري والتقني بين الطرفين، إلى جانب التقارب السياسي ومواقف الصراع الإقليمي.
ولا يعني ذلك أن الحوثيين نسخة مطابقة لأي قوة إقليمية أو أن جميع قراراتهم تصدر بتوجيه خارجي مباشر، لكن الدعم والتحالفات وتبادل الخبرات أسهمت في توسيع قدرات الجماعة ونقل آثار مشروعها من الداخل اليمني إلى المحيط الإقليمي والبحري.
ومن المهم التمييز بين التشابه التاريخي والفكري بين القرامطة والحوثيين، وبين التحالفات السياسية والعسكرية المعاصرة؛ فالأول يستند إلى دراسة الأفكار والمرجعيات والممارسات، بينما يرتبط الثاني بالوقائع والعلاقات وموازين القوة.
ومع ذلك، فإن اجتماع الأيديولوجيا التعبوية مع السلاح والدعم الخارجي والطموح إلى فرض النفوذ يجعل ممارسات الجماعة تهديدًا يتجاوز حدود اليمن إلى أمن المنطقة والمصالح الدولية.
وتؤكد هذه المقارنة أن حماية الإنسان وصون المقدسات وتأمين طرق التجارة والملاحة مبادئ لا يجوز إخضاعها لحسابات القوة والنفوذ؛ فالمشروعات السياسية تُقاس بأفعالها ونتائجها، لا بالشعارات التي ترفعها.
ويبقى الدرس الذي يقدمه التاريخ أن توظيف الدين لتبرير العنف لا يمنح الجماعات شرعية، وأن استباحة المقدسات وتهديد المدنيين والممرات الحيوية ليست مظاهر قوة، بل شواهد على خطورة المشروعات التي تجعل من الفوضى وسيلة للهيمنة، ومن العقيدة غطاءً للصراع.